حدث وتعليق/ محاربة الفساد.. بين التشخيص الصريح ورهان الإصلاح العميق

الوئام الوطني : في خطاب اتسم بقدر كبير من الصراحة والوضوح، قدّم الوزير الأول المختار ولد اجاي تشخيصا مباشرا لواحدة من أعقد الإشكالات التي واجهت الدولة الموريتانية منذ نشأتها، وهي الفساد بوصفه معول هدم شامل يقوض السياسة والقضاء وحقوق الإنسان، ويهدد أسس الدولة الحديثة برمتها. لم يكن حديث الوزير الأول مجرد توصيف عابر، بل جاء ضمن رؤية شاملة تعترف بالخلل وتضع مكافحته في صدارة الأولويات الوطنية.

أول ما يلفت في تصريحات ولد اجاي هو هذا الربط الجوهري بين الفساد وغياب الدولة بمعناها المؤسسي. فحين يؤكد أنه “لا سياسة، ولا قضاء، ولا حقوق إنسان في ظل الفساد”، فإنه يختزل مأزق التنمية والحكم الرشيد في معادلة واضحة: إما دولة قوية تحكمها القوانين، أو فوضى مقنّعة تستنزف الموارد وتُفرغ المؤسسات من مضمونها. هذا الطرح ينسجم مع ما دأب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على التأكيد عليه في خرجاته المختلفة، حيث لم ينكر وجود الفساد، بل جعله تحديا مركزيا يستدعي المواجهة لا التبرير.

ويذهب الوزير الأول أبعد من ذلك حين يعيد جذور الفساد إلى تصورات اجتماعية خاطئة رافقت قيام الدولة الوطنية، من بينها اعتبار الدولة امتدادا للاستعمار، وبالتالي استباحة مواردها باعتبارها “غنيمة” لا ملكا عاما. هذا التحليل يسلّط الضوء على البعد الثقافي والاجتماعي للفساد، ويؤكد أنه ليس مجرد انحراف إداري أو قانوني، بل هو سلوك ترسّخ عبر الزمن بفعل ضعف الوعي بالمواطنة وبالمال العام.

أما توصيفه لحجم الفساد بكونه أكبر من طاقة السجون، فهو تعبير صادم لكنه واقعي، يعكس إدراك الحكومة لتعقيد الظاهرة وتشابكها داخل المجتمع والسياسة والاقتصاد. غير أن هذا الاعتراف لم يكن مدخلا لليأس، بل مقدمة للتأكيد على أن المواجهة مستمرة، وإن كانت شاقة وطويلة النفس.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة أجهزة الرقابة والتفتيش باعتبارها الحلقة الأضعف في منظومة مكافحة الفساد. إذ أقر الوزير الأول بوجود نقص في التكوين والكفاءة لدى بعض المفتشين، ما يستدعي، حسب قوله، إعادة تنظيم التفتيش وضبط المساطر القانونية. هذا الإقرار يعكس تحولا في الخطاب الرسمي من تحميل المسؤولية للأفراد فقط، إلى مراجعة الآليات نفسها، باعتبار أن مؤسسات ضعيفة لا يمكن أن تنتج رقابة فعالة.

كما شدد ولد اجاي على أن الحكومة لا تتحرك في فراغ، بل تستند إلى رؤية قانونية واضحة، مدعومة بقانون مكافحة الفساد المعتمد منذ سنة 2016، وبحزمة من مشاريع القوانين التي تهدف إلى سد الثغرات وتعزيز الشفافية. وفي هذا الإطار، تأتي الإقالات التي طالت مسؤولين من مجلس الوزراء خلال العام الجاري بسبب قضايا فساد، لتشكل رسالة سياسية قوية مفادها أن المساءلة لم تعد خطا أحمر، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة.

ولعل من أبرز نقاط الخطاب ردّ الوزير الأول على ما يُتداول من أرقام وصفها بالمبالغ فيها، خاصة الحديث عن “400 مليار أوقية” منسوبة إلى تقارير محكمة الحسابات. فدعوة ولد اجاي إلى إبراز هذا الرقم من التقرير، ونفيه القاطع لوجوده، تعكس حرص الحكومة على التفريق بين النقد المبني على معطيات دقيقة، وبين التضخيم الذي قد يربك الرأي العام ويشوّه النقاش حول الفساد.

ويكشف خطاب الوزير الأول عن انتقال نسبي من مرحلة الإنكار أو المعالجة الظرفية للفساد، إلى مرحلة التشخيص العميق والسعي إلى الإصلاح المؤسسي. غير أن نجاح هذه المقاربة يظل رهينا بقدرتها على الصمود أمام الضغوط، وبمدى إشراك المجتمع والقضاء والإعلام في معركة طويلة لا يمكن حسمها بغير الفعل المتواصل والنتائج الملموسة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

اثنين, 26/01/2026 - 09:21