
في ظل تسارع تدفق الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، تبرز من جديد الإشكالية القديمة-المتجددة، ألا وهي: كيف نوازن بين قداسة حرية التعبير وضرورة حماية السكينة العامة والسلم الأهلي؟
هذه الإشكالية أعادت إلى الواجهة الجدل الذي رافق تداول شائعات عن استخدام الذخيرة الحية ضد متظاهرين من حركة “إيرا”، قبل أن ينفي مصدر أمني رسمي صحة تلك الروايات، ويدعمه في ذلك شهود عيان.
لا خلاف في أن حرية التعبير، بما تشمل من حق نشر المعلومات والأخبار والتعبير عن المواقف، تُعد من ركائز أي نظام ديمقراطي. وقد كرسها الدستور الموريتاني والمواثيق الدولية التي صادقت عليها البلاد، باعتبارها حقا أصيلا لا يجوز المساس به.
غير أن هذا الحق، في جوهره، لا ينفصل عن المسؤولية الأخلاقية والمهنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأخبار ذات طابع أمني أو اجتماعي حساس.
لقد أظهرت القضية الأخيرة كيف يمكن لمعلومة غير مؤكدة، أو خبر مُضخَّم، أن يتحول في ساعات قليلة إلى عامل توتر يهدد السكينة العامة. فالإيحاء باستخدام الذخيرة الحية ضد متظاهرين لا يثير فقط مشاعر الغضب والتعاطف، بل قد يفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة، ويغذي مناخا من الشك وانعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
نفيُ المصدر الأمني لهذه الروايات، وتأكيده أن تدخل الشرطة اقتصر على استعمال الغاز المسيل للدموع وفق الإجراءات المعمول بها، يسلط الضوء على فجوة واضحة بين المعلومة المتداولة والمعلومة الرسمية، وهي فجوة غالبا ما تُملأ بالتأويل والشحن العاطفي.
ومن جهة أخرى، شدد المصدر الأمني على أن الحق في التظاهر مكفول قانونيا، شريطة أن يُمارس في إطار سلمي وألا يمس بالأمن والسكينة أو بالممتلكات العامة، إذ على المحتجين احترام القانون وعدم الانزلاق نحو محاولات اقتحام أو تصعيد قد تبرر تدخلا أمنيا ضروريا للحفاظ على الامن والسكينة العامة.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة التحري والدقة والمصداقية الموجهة للمدونين والصحفيين في محلها. فالإعلام، التقليدي منه والرقمي، لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل صار فاعلا مؤثرا في تشكيل الرأي العام. وأي إخلال بالمعايير المهنية— عن قصد أو غير قصد— قد يحول الخبر إلى أداة توتير بدل أن يكون وسيلة إخبار.
وفي زمن تنتقل فيه المعلومة بسرعة تفوق سرعة التحقق، يصبح الالتزام بالدقة والمصداقية ليس فقط خيارا مهنيا، بل ضرورة وطنية لحماية السكينة العامة والسلم الأهلي، وضمان أن يبقى الحق في التعبير رافعة للاستقرار لا مدخلا للفوضى.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)