حدث وتعليق/ تجمع قرى تاگه الجديد.. من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط التنموي المستدام

في سياق وطني يتسم بتزايد المخاطر المناخية، ولا سيما الفيضانات الموسمية، يبرز مشروع تجميع القرى المهددة في تجمع تاگه الجديد بولاية كوركول بوصفه نموذجا لتحول نوعي في المقاربة العمومية، من التدخلات الظرفية إلى التخطيط الاستباقي القائم على حماية الإنسان وصون كرامته.

ويأتي هذا التوجه تنفيذا للتوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الهادفة إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية وتعزيز التنمية المتوازنة.

لقد ظل التعاطي مع الفيضانات في موريتانيا لعقود خلت محكوما بمنطق الطوارئ والإغاثة اللاحقة، بما يحمله من كلفة بشرية ومادية مرتفعة. غير أن مشروع تجميع أكثر من 12 قرية كانت عرضة لخطر الغمر، يمثل قطيعة مع هذا النمط، عبر نقل الأسر إلى فضاء آمن ومهيأ، يحد من تكرار الخسائر ويؤسس لاستقرار دائم. ويقود تنفيذ المشروع المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (التآزر)، بالتنسيق مع السلطات الجهوية في ولاية گورگول، بما يعكس تكامل الأدوار بين المركز والجهات.

ومن أبرز مكامن قوة العملية اعتماد قرعة علنية لتوزيع القطع الأرضية، وهو إجراء يعزز الثقة ويكرس مبدأي المساواة والإنصاف، ويحد من مظاهر المحاباة أو النزاع الاجتماعي. كما رافق التسليم دعم نقدي ومساعدات غذائية، ما يعكس فهما واقعيا لتحديات الانتقال والاستقرار، ويمنح الأسر هامش أمان خلال مرحلة إعادة التوطين.

ولا يقتصر المشروع على توفير السكن، بل يندرج ضمن رؤية متكاملة للتنمية المحلية. فقد خُصصت 536 قطعة أرضية مستصلحة ومهيأة، مع شق الطرق وتسوية المساحات وتحديد فضاءات للمرافق الجماعية. وتشمل التجهيزات قيد الإنجاز مدرسة ابتدائية من ستة فصول، وإعدادية من أربعة فصول، ومسجدا ومحظرة وسكنا للإمام، إضافة إلى سوق تجاري ومسلخة عصرية، فضلا عن حفر ثلاثة آبار ارتوازية، من بينها بئر مجهزة بالكامل.

هذا التكامل بين التعليم والخدمات الدينية والاقتصادية والمائية يُعد شرطا لازما لترسيخ الاستقرار والاندماج الاقتصادي.

ويتجاوز أثر المشروع البعد الوقائي ليطال إعادة تشكيل المجال القروي على أسس حديثة، بما يعزز فرص التشغيل المحلي، ويدعم الاقتصاد الاجتماعي، ويحد من الهجرة القسرية. كما يساهم في رفع قابلية الصمود أمام الصدمات المناخية، ويمنح الفئات الهشة أدوات العيش الكريم بدل الارتهان للمساعدات الموسمية.

ويمثل تجمع تاگه الجديد ترجمة عملية لرؤية رئاسية تؤمن بأن التنمية الحقة تبدأ بحماية الإنسان من المخاطر قبل وقوعها، وببناء فضاءات عيش آمنة ومُنتِجة.

وإذا ما استُكملت هذه الجهود بحوكمة مستدامة وخدمات تشغيلية فعّالة، فإن التجربة مرشحة لأن تتحول إلى نموذج وطني يُحتذى به في مواجهة التحديات المزدوجة للمناخ والتنمية.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

أحد, 15/02/2026 - 16:13