حدث وتعليق/ من التوصيات إلى التنفيذ.. حزب الإنصاف يلج بوابة المصالحة والتحكيم

في سياق سياسي يتسم بتعاظم الحاجة إلى أحزاب قوية ومتماسكة تنظيميا، يندرج الاجتماع الذي عقده رئيس حزب الإنصاف، محمد ولد بلال مسعود، مع لجنة المصالحة والتحكيم، ضمن مسارٍ يتجاوز الطابع الإجرائي إلى رهانات أعمق تتصل ببناء حكامة داخلية فعّالة، وترسيخ الانضباط المؤسسي، وتحويل مخرجات المؤتمرات من نصوص نظرية إلى ممارسات ملموسة.

ويأتي هذا اللقاء في مرحلة ما بعد المؤتمر الأخير للحزب، وهي مرحلة تُعدّ عادة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة القيادات على إدارة الانتقال من لحظة التوافقات الكبرى إلى تفاصيل التنفيذ اليومي.

ويعكس تأكيد رئيس الحزب على ضرورة تجاوز منطق التوصيات إدراكا بأن التحدي لا يكمن في صياغة الرؤى، بل في ضمان التزام الهيئات المختلفة بصلاحياتها، ومنع تداخل الأدوار الذي غالبا ما يكون مدخلا للاحتقان التنظيمي.

ويعتبر إبراز الدور المحوري للجنة المصالحة والتحكيم رسالة سياسية وتنظيمية مزدوجة. فمن جهة، يكرّس الاعتراف بأن الخلافات داخل الأحزاب أمر طبيعي، ومن جهة أخرى يؤكد أن إدارتها يجب أن تتم عبر مؤسسات داخلية، لا عبر الاصطفافات أو الضغط الإعلامي. فاللجنة، وفق هذا التصور، تتحول إلى صمام أمان يحفظ وحدة الصف، ويؤمّن العدالة التنظيمية، ويعزز ثقة القواعد في أن الإنصاف، إسما وممارسة، هو المعيار الحاكم.

إن تعهد رئيس وأعضاء اللجنة بالعمل باستقلالية وتجرد، والاحتكام الصارم للنصوص المرجعية، يحمل دلالة مهمة في السياق الحزبي الموريتاني، حيث كثيرا ما تُختبر استقلالية الهيئات أمام ثقل القيادة أو الاعتبارات السياسية الظرفية.

هذا التعهد، إن تُرجم عمليا، يمكن أن يشكل نقلة نوعية في إدارة النزاعات، ويحدّ من منطق “الحلول الترقيعية” التي تُراكم الأزمات بدل حلها.

ومن الناحية السياسية، يبعث الاجتماع برسالة طمأنة للمناضلين مفادها أن الحزب يتجه نحو مؤسسية أكثر صرامة، وتنظيم داخلي أقل هشاشة.

أما تنظيميا، فيضع الاجتماع القيادة أمام مسؤولية المتابعة والتقييم، فنجاح لجنة المصالحة والتحكيم لن يُقاس بالخطابات، بل بقدرتها على البت العادل والشفاف في النزاعات، وبمدى التزام الجميع بقراراتها.

ويمكن القول إن هذا اللقاء يمثل خطوة محسوبة في اتجاه تعزيز الحكامة الداخلية داخل حزب الإنصاف. لكنه، في الوقت ذاته، يفتح باب التحدي الأكبر أمام تحويل النوايا المعلنة إلى ممارسة يومية تُقنع القواعد بأن مرحلة جديدة قد بدأت فعلا، عنوانها الانضباط المؤسسي، واحترام اللوائح، وتقديم وحدة الحزب على الحسابات الضيقة.

وفي ميزان السياسة، غالبا ما تكون مثل هذه التفاصيل التنظيمية هي الفاصل بين حزب يدير الاختلاف، وآخر يستهلكه الاختلاف.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

ثلاثاء, 24/02/2026 - 18:56