لقاءات مع الناتو وإسبانيا ومشاركة في تدريب عسكري… نواكشوط ترتب موقعها إقليميا

في سياق إقليمي مضطرب يتسم بتصاعد نشاط الجماعات الجهادية في مالي، وبتكرار قتل الجيش المالي لمواطنين موريتانيين في منطقة الحدود، تبدو التحركات العسكرية والدبلوماسية الأخيرة في نواكشوط أبعد من مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل هي، كما يرى مراقبون، اتصالات تعكس توجهاً موريتانياً متنامياً نحو توطيد شراكات أمنية متعددة الأطراف، خاصة مع إسبانيا وحلف شمال الأطلسي، في إطار مقاربة استباقية لمواجهة تداعيات محتملة للوضع في الجوار المالي.

في هذا السياق، استقبل قائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية، الفريق محمد فال الرايس، الجمعة، العقيد البحري خوان خوسي بليزون إزكييردو، قائد السفينة الحربية الإسبانية “غاليسيا”، برفقة العقيد جورج جيم فيرنانديز رينكون، ملحق الدفاع في سفارة مملكة إسبانيا في موريتانيا، وذلك على هامش عملية رسو السفينة الإسبانية المذكورة في ميناء نواكشوط المتواصل على مدى عشرة أيام.

 وحسب بيان للجيش الموريتاني، فقد تركز اللقاء الذي حضره قادة عسكريون موريتانيون معنيون بالتعاون والتخطيط، على سبل تعزيز الشراكة العسكرية بين نواكشوط ومدريد، في لحظة تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع رهانات الهجرة وضبط الحدود.

وبالتوازي مع ذلك، عقد وزير الدفاع الموريتاني، الجنرال حننه ولد سيدي، اجتماعاً مطولاً مع وفد عسكري إسباني بحضور السفير الإسباني بنواكشوط بابلو باربارا غوميز، حيث تم التأكيد على تطوير التعاون الدفاعي، بما يعكس إدراكاً مشتركاً لتحول موريتانيا إلى نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي، سواء فيما يتعلق بمراقبة السواحل أو الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

سجلت زيارات مكثفة لوفود عسكرية من حلف شمال الأطلسي، في إطار مشروع “تعزيز القدرات الدفاعية الموريتانية”، شملت القوات الخاصة والأركان العامة للجيوش

وفي سياق متصل، تم قبل يومين تسجيل زيارات مكثفة لوفود عسكرية من حلف شمال الأطلسي، في إطار مشروع “تعزيز القدرات الدفاعية الموريتانية”، شملت القوات الخاصة والأركان العامة للجيوش.

فقد قام وفد عسكري من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، يقوده العقيد گوكان هازيميلي، خبير ومنسق فرع القوات الخاصة بمشروع “تعزيز القدرات الدفاعية”، بزيارة للأركان العامة للجيوش، حيث بحث الجانبان تطوير آلية الاحتفاظ بالمتخصصين وتنمية القدرات البشرية للقوات الخاصة.

كما زار الوفد مكتب التعاون الثنائي بفرقة التعاون العسكري بقيادة الرائد يعقوب عبد الرحمن حمادي، حيث تناول اللقاء سبل تطوير التعاون العسكري بين موريتانيا وحلف شمال الأطلسي بما يخدم المصالح المشتركة، حسب تعبير الجيش الموريتاني.

وتناولت هذه الزيارات بشكل عملي مناقشة تطوير الجاهزية القتالية الموريتانية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب التكتيكي، إلى جانب قضايا أكثر حساسية مثل الحفاظ على الكفاءات العسكرية وتنمية الموارد البشرية داخل الوحدات الخاصة في الجيش الموريتاني.

ويعكس تركيز الحلف على القوات الخاصة إدراكاً لطبيعة التهديدات في منطقة الساحل، حيث تتسم العمليات الأمنية بالتعقيد والتشظي، وتحتاج إلى وحدات عالية التدريب قادرة على التدخل السريع في بيئات غير مستقرة، خصوصاً في ظل ما تشهده مالي من فراغات أمنية واتساع نطاق الجماعات المسلحة.

كما امتد التعاون ليشمل الأجهزة الأمنية شبه العسكرية، حيث استقبلت قيادة الدرك الوطني الموريتانية وفداً من الحرس المدني الإسباني، في مؤشر إلى أن التنسيق لا يقتصر على الجيوش النظامية، بل يشمل مختلف مكونات المنظومة الأمنية، من مكافحة الجريمة المنظمة إلى تأمين الحدود ومراقبة الشبكات العابرة.

في العمق، يحمل هذا الحراك دلالتين أساسيتين: الأولى، أن موريتانيا تسعى إلى إعادة تموضعها كفاعل محوري في منظومة الأمن الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين غرب إفريقيا والفضاء المتوسطي.

 والثانية، مفادها أن الشركاء الأوروبيين، وعلى رأسهم إسبانيا، باتوا ينظرون إلى نواكشوط كشريك “موثوق” في استراتيجية الوقاية الاستباقية، التي تقوم على احتواء التهديدات في منابعها، سواء تعلق الأمر بالإرهاب أو الهجرة.

غير أن هذا التوجه لا يخلو من تحديات، فبينما يوفر التعاون العسكري دعماً تقنياً ولوجستياً مهماً، تظل فعاليته رهينة بقدرته على الاندماج ضمن مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمات، خاصة في المناطق الحدودية مع مالي، حيث تتداخل الهشاشة الأمنية مع الفقر وضعف الخدمات.

ومن البوابة الإنسانية، دخلت الصين التي لها أهدافها الكبرى في المنطقة على الخط، حيث أدى وفد عسكري طبي صيني، برئاسة الملحق العسكري بسفارة جمهورية الصين الشعبية في نواكشوط، زيارة لمدينة نواذيبو، قدم خلالها استشارات طبية مجانية في أمراض العيون، وأمراض النساء والتوليد، والجراحة العامة، وجراحة العظام، إضافة إلى الطب الصيني التقليدي، لصالح العسكريين في حامية نواذيبو شمال موريتانيا.

وفي إطار ذي صلة، أعلن الجيش الموريتاني عن مشاركة وحدة عسكرية موريتانية في التمرين العسكري متعدد الجنسيات “فلينتلوك 2026″، المنظم في جمهورية ساحل العاج بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية المكلفة بالعمليات في القارة الإفريقية.

شهدته نواكشوط من لقاءات واتصالات عسكرية يتجاوز مجرد تنشيط لعلاقات ثنائية أو متعددة الأطراف، هو جزء من إعادة تشكيل هادئة لخريطة الأمن في غرب إفريقيا

وأدرج الجيش الموريتاني مشاركته في التدريب ضمن سياق “تعزيز قدرات القوات المسلحة الموريتانية وتطوير التعاون العسكري مع الدول الشقيقة والصديقة، ورفع مستوى الجاهزية”.

وكان فريق من القوات المسلحة الإسبانية قد أدى زيارة تحضيرية ركزت على الجوانب الفنية لتجهيزات القوة المشاركة، وقدم عرضاً تفصيلياً حول طبيعة وأهداف تمرين “فلينتلوك 2026” لفائدة العسكريين المشاركين.

وجاءت هذه الزيارات وهذه الاتصالات بعد أيام قليلة من اختتام دورة للجنة العسكرية المشتركة الموريتانية المغربية، خُصصت لتقييم حصيلة التعاون العسكري خلال العام الماضي، ووضع خطط الأنشطة المشتركة للسنة الجارية، واستكشاف آفاق تطوير الشراكة الثنائية.

وخلاصة المشهد أن ما شهدته نواكشوط من لقاءات واتصالات عسكرية يتجاوز مجرد تنشيط لعلاقات ثنائية أو متعددة الأطراف، هو جزء من إعادة تشكيل هادئة لخريطة الأمن في غرب إفريقيا.

وفي قلب هذه المعادلة، تحاول موريتانيا تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من الشراكات الدولية لتعزيز قدراتها الدفاعية، وعدم الانزلاق إلى أدوار تتجاوز حساباتها السيادية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

وكالات

أحد, 19/04/2026 - 12:18