المعارضة والتعبئة الافتراضية الصاخبة.. عندما يخفت الهتاف في الميدان/ إسماعيل ولد الرباني*

 

الوئام الوطني : في السياسة، لا تكفي قوة الصوت كي تُقنع، ولا يتحول الضجيج الافتراضي تلقائيا إلى وزن ميداني. فبين ما يُقال بكثافة على الشاشات والمنصات، وما يحدث فعليا على الأرض، تتشكل أحيانا مسافة صامتة، لكنها بالغة الدلالة.

خلال الأيام التي سبقت تظاهرة كافة تشكيلات وقوى المعارضة، بدا المشهد وكأن البلاد على موعد مع لحظة فارقة.. تعبئة مكثفة، خطاب مشحون، توحيد عناوين، وحضور افتراضي طاغ يوحي بأن الشارع يغلي وأن “الحدث” سيقلب المعادلات.

غير أن لحظة الاختبار الحقيقي، حين انتقل الخطاب من الفضاء الرقمي إلى الواقع، كشفت مفارقة لافتة تفيد بأن الحماسة العالية لم تجد ما يوازيها في تجاوب الشارع.

فرغم أسبوع كامل من التحضير، وتنسيق واسع بين أطراف معارضة متعددة المشارب، ورغم اختيار توقيت مريح وترخيص رسمي كامل، لم يخرج إلى الميدان سوى عدد محدود من المشاركين، لم يرق إلى مستوى الصورة التي رُسمت مسبقا.

هنا لا يتعلق الأمر بالأرقام في حد ذاتها بقدر ما يتعلق بما تعنيه سياسيا من فجوة واضحة بين خطاب يَعِد بزخم جماهيري واسع، وواقع يشي ببرود شعبي يقف على عتبة التجمّد، أو على الأقل بعدم اكتراث بالنبرة العالية عبر المنصات والوسائط الإعلامية والتفاعلية المختلفة.

هذه الفجوة تطرح إشكالية أعمق من مجرد نجاح أو فشل تظاهرة. إنها إشكالية الانفصام بين معارضة تتحدث باسم “الشارع” بلغة حادة وصاخبة، وشارع يبدو أنه اختار، في هذه المرحلة، التعبير بالصمت أو بالمسافة. فلو كان الغضب الذي يُتداول افتراضيا متجذرا فعليا، لكان من الطبيعي أن ينعكس حضورا كثيفا ومشهدا مختلفا.

القراءة الهادئة لما جرى تشير إلى أن جزءا معتبرا من الرأي العام بات يزن الأمور بمنطق تقييمه الخاص المبني على الوقائع التي يراها ويلمسها في حياته اليومية، وبتفهمه  للانعكاسات السلبية العابرة للحدود على ساكنة المعمورة، وكيف تصرف القائمون على الشأن العام من أجل التصدي لآثارها.. لا بمنطق التعبئة والمزايدة وتبرير الغايات للوسائل، حتى وإن بدت تلك الوسائل قذرة وغير منطقية ومجافية للواقع.

المواطن، المنهك من التجاذبات والشعارات، قد لا يرى في الخطاب التصعيدي إجابة على همومه اليومية، ولا في الدعوات المفتوحة ما يغريه بكسر رتابة حياته والخروج إلى الشارع. وهو، في المقابل، قد يكون أكثر ميلا إلى تقييم التجربة القائمة بميزان النتائج لا النوايا.

لقد سعت بعض الأصوات إلى تقديم المشهد باعتباره “استعراض قوة”، غير أن الاستعراض، حين لا يجد جمهورا واسعا، يتحول إلى سؤال محرج حول القدرة على الإقناع، لا حول شرعية الاحتجاج. فالقوة في السياسة ليست في علو النبرة، بل في عدد من يصدقها ويستجيب لها.

إن ما حدث مساء اليوم في العاصمة نواكشوط، التي تضم ثلث سكان البلاد، يمكن اعتباره رسالة صامتة من الشارع، لا تُكتب بالشعارات ولا تنقل عبر البثوث المباشرة، لكنها تُقرأ في الساحات الفارغة، وفي المقاعد الشاغرة، وفي الفرق بين التوقع والواقع.. رسالة مفادها أن الثقة، أو على الأقل الرغبة في التغيير عبر هذا الخطاب تحديدا، ليست بالحجم الذي يُروَّج له.

وهكذا، يتأكد أن المعركة الحقيقية ليست على المنصات الرقمية، بل في القدرة على بناء خطاب يلامس هموم الناس بالمنطق، ويقنعهم بأن الخروج من بيوتهم يستحق العناء.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الانفصام قائما بين معارضة عالية الصوت في العالم الافتراضي، وساحات بدت على وضع الصامت عند استقبال أول محاولات اتصال الواقع.

 

*- إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

أحد, 10/05/2026 - 22:13