
الوئام الوطني كتب الأستاذ السالك ولد اباه :
لاتبنى الأوطان على الكراهيه
تمهيد:
حين يتحول الاختلاف السياسي إلى خطاب تحريض، وتتبدل لغة النقد إلى تصنيفٍ للناس على أساس الهوية والانتماء، نكون أمام لحظة انزلاق خطيرة تهدد جوهر الدولة قبل أن تهدد تفاصيل السياسة. فالأوطان لا تُدار بمنطق الخصومة، ولا تُصان بمنطق الإقصاء، بل تُبنى بالعقل والعدل واتساع الصدر للاختلاف.
وإلى من صدر عنه المنشور التحريضي الأخير، وإلى كل من يستسهل إطلاق الأحكام الجماعية على شعب بأكمله، أقول: سلامًا. فلن يكون الرد على الكراهية كراهية، ولا على التحريض تحريض، لأن ما يجمع أبناء الوطن أرسخ من أن تهزّه انفعالات عابرة أو خطابات مشحونة.
أولًا: خطورة التعميم وكسر صورة المجتمع
إن أخطر ما يصيب المجتمعات هو تحويل التنوع إلى تهمة، واختزال المكونات في أوصاف جامدة تُنتزع من سياقها التاريخي والاجتماعي. فالشعوب لا تُقرأ بمنطق الإدانة الجماعية، بل بفهم تراكماتها وتعقيداتها ومساراتها المشتركة.
ثانيًا: الأغلبية ليست نقيض الدولة بل أحد أعمدتها
إن المكون الذي يُشار إليه أحيانًا بوصف “الأغلبية” ليس كيانًا خارج الدولة ولا خصمًا لها، بل هو جزء أصيل من بنيتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية. والأغلبية في أي بلد، حين تكون واثقة من نفسها، لا تلجأ إلى الإقصاء، بل إلى البناء، ولا ترى في التنوع تهديدًا بل مصدرًا لثراء الوطن.
ثالثًا: الذاكرة التاريخية ومسار بناء الدولة
إن قراءة التاريخ بمنطق الخصومة تُفقده توازنه. فمسار بناء الدولة في هذه البلاد، مثل غيرها، لم يكن لحظة صدام داخلي بقدر ما كان رحلة طويلة من مواجهة الاستعمار، ثم تشييد المؤسسات، ثم البحث عن صيغة جامعة تحفظ الاستقرار وتؤسس للعيش المشترك.
رابعًا: التعايش كخيار تأسيسي للدولة
لقد استقر في التجربة الوطنية أن الدولة لا تُبنى إلا على إشراك مختلف مكوناتها في مؤسساتها السياسية والعسكرية والإدارية والدبلوماسية، باعتبار أن الشرعية الوطنية لا تُحتكر، وأن قوة الدولة تقاس بمدى اتساعها لأبنائها لا بمدى استبعادها لهم.
خامسًا: بين الاعتراف بالتعدد ومحاولات الإصلاح
شهد المسار الوطني خطوات معتبرة نحو الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، عبر إدراج اللغات الوطنية في الإطار الدستوري والمؤسسي، والسعي إلى إدماجها تدريجيًا في التعليم، إلى جانب مقاربات لمعالجة بعض المظالم التاريخية وجبر الضرر، بما يعكس إرادة لبناء مصالحة وطنية هادئة ومتدرجة.
سادسًا: الكراهية تهدد فكرة الدولة نفسها
إن تحويل الهوية إلى أداة صراع، وتصوير المواطن المختلف باعتباره خصمًا وجوديًا، لا يهدد الاستقرار فقط، بل يضرب فكرة الدولة في عمقها. فالنقد السياسي حق، أما التحريض العرقي فمسار يهدم ما تبنيه الأجيال في عقود.
سابعًا: هوية الأغلبية وحقوق الأقليات في التجارب المقارنة
تُظهر التجارب الدولية أن الدول الحديثة لا تلغي هوية أغلب شعوبها، بل تجعلها إطارًا جامعًا للهوية الوطنية، مع ضمان حقوق الأقليات دستوريًا دون انتقاص. فمعظم الدول تعتمد لغة الأغلبية وثقافتها في المجال العام، دون أن يتعارض ذلك مع مبدأ المساواة القانونية بين المواطنين.
وتقوم الدولة الرشيدة على معادلة دقيقة: تثبيت الهوية الجامعة باعتبارها ركيزة الاستقرار، وصون حقوق الجميع باعتبارها التزامًا دستوريًا لا يقبل المساومة.
ثامنًا: تحييد الدولة عن صراعات الهوية
إن أخطر ما يهدد تماسك الدول ليس وجود أغلبية أو تعدد مكونات، بل تحويل الهوية إلى ساحة صراع سياسي دائم. فالدولة لا تُختزل في هوية مكون ضد آخر، بل تقوم على الفصل بين الهوية الثقافية للمجتمع بما تحمله من تاريخ وانتماء، وبين الهوية القانونية للدولة القائمة على المساواة الكاملة بين المواطنين.
وقوة الدولة الحقيقية تتجلى في حيادها تجاه هذا التعدد، فلا تنحاز لمكون ضد آخر، ولا تتحول إلى أداة في صراع الهويات، بل تبقى إطارًا جامعًا ينظم الاختلاف بدل أن ينخرط فيه.
خاتمة
إن مستقبل الأوطان لا يُبنى على سرديات الإقصاء، ولا على ذاكرة الانتقام، بل على عقد وطني عادل يوازن بين الاعتراف بالهوية وصون الحقوق. وموريتانيا، بما تمتلكه من تنوع تاريخي وثقافي، ليست مهددة بتعددها، بل مهددة فقط حين يُستبدل منطق المواطنة بمنطق الاصطفاف.
إن قوة الدولة لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى استقرار، والتنوع إلى وحدة، والماضي إلى خبرة جامعة لا إلى وقود للفرقة.
إن الأوطان لا تُصان بالكراهية، بل تُصان بالعدل، ولا تُبنى بالإقصاء، بل تُبنى بالمواطنة المتساوية تحت سقف دولة واحدة تتسع للجميع.

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)