
رأي حول المشروع الفكري للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه.
بقلم الدكتور/ محمد ولد أحظانا
كاتب موريتاني
المقال الأول:
مشروع فكري بين مصدات التوقي؛ وحواضن التلقي؟
تسويغ أولي:
عادة، عندما أقتنع بأخذ القلم لأكتب عن موضوع يدخل في صلب اهتمامي الفكري، لا أبالي بثلاثة أمور:
- الأول: رد الآخرين على رأيي شفهيا أو كتابة، لأن لهم كامل الحق في إبداء رأيهم حول رأيي كما لي نفس الحق في الرد علبهم؛
الثاني: زاوية الفهم
المختلفة التي سيستوعب بها القراء الكرام رأيي، بمستوياتهم الذهنية المتنوعة، إذ لدي قناعة بأن لكل منهم بصمته الذهنية الخاصة المميزة له عن بصمة أخيه، اختلاف بصمات البنان البشري؛
الثالث: ما سيترتب على رأيي من ردات فعل عملية، لأنها من مغيبات الكتابة عندي.
بالمقابل، أبالي بثلاثة أمور:
الأول، أن لا أكتب إلا ما أقتنع به قناعة كاملة، لأن برودة الكتابة تتسرب -عادة- من فجاج مغالطة الذات. الثاني: أن أحاول -جهدي- المواءمة بين الإبانة وطبيعة لغة ومصطلح موضوع الكتابة، لأنني لن أسافر مع النص لأشرحه لكل قارئ، فآخر عهد بيني وبينه لحظة تحريره؛
والثالث: أن أحترم الرأي المخالف و المتلقي المحايد معا باستحضار حاجتهما للإجابة على أهم أسئلتهما المتولدة من قراءة النص.
هذه السداسية هي التي أتحرك بين ضفتيها عن يمين وشمال، في ما أكتبه. وفي هذا المقال طبعا لن أخرج عن عادتي.
معالجة:
- أين يتحيز المشروع الفكري للشيخ عبد الله بن بيه، بين مصدات التوقي وحواضن التلقي، في فضاء العالم الإسلامي؟
موضوعنا إذن، هو الحديث باختصار غير مخل حول مشروع إسلامي ملفت للانتباه لرجل قرأت له، وعنه، وسمعت منه، وتساءلت، وحاورت، وناقشت.
هذا الرجل كما خبرت أداءه الفكري والعلمي -رغم تواضع متاعي ووفرة متاعه- يحمل بين جوانحه فكرا مركبا رائدا، و علما استقصائيا موسوعيا، وهَمًّا حضاريا شاملا، وإشفاقا متبصرا، وحدبا نابضا على الإسلام. ولذا سألفت الانتباه لرأيي في مشروعه الفكري: سياقا، وطرحا منه، وفهما مني له. وما أبرئ نفسي من القصور مسبقا.
الإشكالية.
- عن أي سؤال سأجيب تحديدا؟
سأجيب على سؤال التوقي والتلقي بالنسبة لاستقبال المشروع الفكري للشيخ عبد الله بن ببه كما فهمته بأدواتي الذهنية المحدودة، وكما تابعت تعاطي الساحة الفكرية الإسلامية مع مشروعه.
موضوع الإجابة هنا، إذن: هو الحديث حول موقفين متقابلين من مشروع مفكر إسلامي كبير، متصف بالصدارة العلمية والمعرفية باتفاق الجميع، ولذا يصدق عليه -في حدود معرفتي وعلمي به- وصف: العلامة، لأنه من أعلم علماء المسلمين المبرزين اليوم في مجاله: إحاطة واجتهادا، وتناسق رؤية، وانضباط منهج؛
ولا أحاشي من الأقوام من أحد.
هذا العلامة يحمل بين جوانحه فكرا مركبا رائدا، و علما استقصائيا موسوعيا، وهَمًّا حضاريا شاملا، وحضورا ذهنيا ملحوظا، وإشفاقا عارما على واقع الأمة، وحدبا نابضا على الإسلام في كلياته الكبرى. كما سنرى؛
لكن السياق الزمني والواقعي لمشروعه حل ببيئة أثقلها التفريع التجزيئي، والتقليد الوثوقي، والتهميش الركامي، والمرجعية الأحادية، والمذهبية الدائرية، والتفصيلية المجهرية.. مما حتم أن مواجهة مشروعه تلقائيا في ساحتنا الفكرية الإسلامية، مشرقا ومغربا ووسطا، بخمس مصدات تتنازع الواجوه، متسابقة إلى إعادة توطين هذا المشروع في مرجعياتها للحكم عليه حكما ما، وهي:- مصدة الجهل المنظم- مصدة القصور المعرفي- مصدة زوغان الفهم- مصدة روغان التأويل- و مصدة النقص في حسن النية.
- أما الجهل المنظم، الذي هو شكل يخلو من الماصدق فيقود إلى الرفض القاطع، لأن من جهل شيئا عاداه؛
- وأما القصور المعرفي فيقود حتما إلى الحكم الناقص، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. كما يقول المناطقة.
- وأما زوغان الفهم، فيؤدي إلى استحالة الوصول إلى نتيجة مفهومة، لأن الحكمة تدخل كما خرجت، وصاحب الحكم لم يفهم كي يبلغ؛
- وأما رٍَوغان التأويل فهو ممارسة قصدية كيدية الباعث للي أعناق الأطروحات الفكرية المقروءة وردها إلى أوليات متكلفة بما يرتب عليها الحكم المقصود. ولا تصل أبدا إلا إلى مطلوبها، لأنها في جذرها: مصادرة على المطلوب. كما يقول المناطقة والرياضيون ومؤسسو التأويل في الفكر الإسلامي.
- وأما النقص في حسن النية، فإنه حالة نفسية تعتري العارفين بالموضوع، نفورا أوتحوطا، و تقود إلى تشخيص تحكمي على الأفكار والرؤى المدروسة بأغاليط ظاهرها فيه اارحمة و باطنها من قبله العذاب.. فتحول الإيجاب سلبا، والعكس..، لأسباب تحكمية غرضية.. تتعلق بموقف شخصي أو أو منزع صارف خارج شروط المعرفة.. من صاحب الرأي الحَكم. وهي لوثة شائعة بين أهل الفكر والعلم كلما تقاربت ميادينهم. إلا من رحم ربك.
وتسوء الأمور خاصة عندما تصبح العامة، أو الرأي العام بلغتنا اليوم، حكما ميدانيا داعما في مجالي دقائق الفكر وجلائل العلم، تصويبا أوتخطيئا، احتضانا أونبذا..
وبدهي أنها آلية لا تصل إلى نتيجة أمينة -قطعا- لاستنادها إلى حَكَم غير مؤهل للحُكم.
تمثل هذه المصدات محتمعة آلية ناجعة للتوقي من أي فكر خارج على مألوف هذه الأغلبية الساحقة من قوم المفكر. "والخارج عن مألوف قومه مجروح الشهادة مردود الرأي". كما هو مسلم به، تكريسا لعدم المس بمجرى العادة الاجتماعي والحضاري..
نغمة مقابلة
لكن رغم قوة المصدات الست، فإنها ليست الوحيدة في الساحة الفكرية الإسلامية، فثمة نغمة أخرى مختلفة عن هذه المصدات العتيدة السائدة، الطامية ذات الضجيج العالي، المسؤول عن ديمومة التردي الفكري الذي كان سببا لأوضاع تراجع حضاري سابق منا نحن المسلمين، ولا يزال وضعنا الحالي شاهدا على تفاقم ذلك التردي الحضاري. ،
إن نغمة التلقي الإيجابي لأي تفكير متناسق يميل إلى التجديد بواسطة استخدام العقل والعلم في التعاطي مع واقعنا المحفوف بالتحصينات التراكمية له صدى وقبول -وإن كان محدودا- إلا أنه يشبه نغمة السينفونية التي تبدأ خافتة وتتزايد إلى أن تسمو على كل النغمات التي كانت سائدة.
إنها نغمة من يفهم ويقدر، ويناقش، ويعترض ، ويوافق عن بينة ويرفض عن بينة بعقله وخبرته لا بعادته.، ويحكم من خلال المعايير المنفتحة المستنيرة، التي تفكر في دائرة الضوء لإعادة تأهيل وتكييف وإبداع الحلول المطلوبة من أجل تجاوز واقع لم يعد الصبر عليه لائقا بأبناء حضارة الإسلام التي بنيت على معقولية راسخة في أقدس نصوصها. حيث لم يخاطب هذا النص الكريم عن بصيرة، إلا العقلاء.ولم يكلف غير العقلاء، ولم يتميز تاريخيا إلا بالعقلاء والمبدعين النجباء
.إن حاكمية أمة معينة لا تعبأ بتحسين واقعها ولاتجديد وعيها،أمة تفرط في ثوابتها الدينية الكلية، ومصالحها الكلية، وكرامتها الكلية.
وإن الانتباه للتحديات الهائلة، والتعاطي معها ببدائل خارج دوائر التكريس، والاستعادة العنيدة لآليات التخلف المبدئي، والعقم المنهجي؛ وإن التخلي عن معاداة مشتقات النهوض البناء؛
وإن ترك مصدات التجديد الراشد التي أثبتت كارثيتها ولو بطبعاتها المتجددة؛ وإن الجهود المؤسسة على التخلي عن : التقليد الأعمى و التغفيل الحضاري. والفة الاتكالية الاستنتاجية؛
وإن هجران الكمه الذهني وإبداله بمشتقات الهبة الإلهية الكبرى للإنسان التي هي العقل؛
وإن عدم مهادنة تبلد الإحساس بألم التخلف المادي والمعنوي؛
كل أولئك هو السّرَب السالك في بحر ظلماتنا الحضارية الركامية.
بين عدوتي التوقي بمصداته؛ والتلقي بنغماته المتزايدة، تنزل مشروع الشيخ عبد الله بن بيه الفكري. فمن أية زاوية يمكن أن نقرأه ونختبره حتى نحكم عليه عن بينة، ونأخذ منه أو نرد عن بينة؟
ذلك هو موضوع المقال الثاني من هذه السلسلة.

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)