
الوئام الوطني : لم يعد الحديث عن الطاقة في موريتانيا مقتصرا على سد العجز في إنتاج الكهرباء أو توسيع شبكات التوزيع، بل أصبح يرتبط برؤية وطنية شاملة تجعل من هذا القطاع ركيزة للتنمية الاقتصادية، ورافعة للاستثمار، وأحد أهم مفاتيح المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يكتسب احتضان نواكشوط لملتقى الكهرباء والطاقات المتجددة في إفريقيا دلالة تعكس المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا في معادلة الطاقة بالقارة.
إن اختيار نواكشوط لاحتضان هذا الملتقى الإفريقي، بمشاركة خبراء ومؤسسات وشركات متخصصة في الكهرباء والطاقات المتجددة، لم يأت من فراغ، وإنما هو ثمرة مسار متواصل من الإصلاحات والاستثمارات التي جعلت موريتانيا من أكثر الدول الإفريقية جذبا للاهتمام في مجال الطاقة، بفضل ما تمتلكه من إمكانات طبيعية هائلة وسياسات حكومية طموحة تستشرف المستقبل.
فخلال السنوات الأخيرة، وضعت الدولة قطاع الطاقة في صدارة أولوياتها التنموية، إدراكا منها أن التنمية الصناعية، وتحسين مناخ الاستثمار، ورفع مستوى الخدمات الأساسية، لا يمكن أن تتحقق دون منظومة طاقوية قوية، مستقرة، ومتنوعة المصادر.
ومن هذا المنطلق، اتجهت السياسات العمومية إلى تنويع المزيج الطاقوي، وعدم الارتهان لمصدر واحد للطاقة، عبر الاستثمار المتوازي في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والغاز الطبيعي، بما يضمن استدامة الإنتاج، ويعزز الأمن الطاقوي، ويحد من تقلبات الأسواق العالمية.
ولعل ما يميز التجربة الموريتانية اليوم أنها لا تنظر إلى الطاقات المتجددة باعتبارها خيارا بيئيا فحسب، وإنما تعتبرها خيارا اقتصاديا واستراتيجيا قادرا على خلق الثروة، واستقطاب الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة أمام الصناعة والتشغيل والتنمية المحلية.
فموريتانيا تمتلك واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، كما تتمتع بسواحل تعرف رياحاً منتظمة ذات مردودية عالية، وهي مزايا طبيعية حولتها الدولة إلى فرص استثمارية، عبر إطلاق مشاريع متتالية في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتوسيع مساهمتهما في إنتاج الكهرباء الوطنية.
وفي الوقت ذاته، تعمل الحكومة على تحديث البنية التحتية الكهربائية، وتقوية شبكات النقل والتوزيع، وربط المزيد من المدن والقرى بالشبكة الوطنية، بما يضمن عدالة أكبر في الولوج إلى الكهرباء، ويجعل الطاقة أداة لتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.
كما تمثل المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة، وفي مقدمتها مشروع محطة “ندياكو” الغازية، مرحلة مفصلية في مسار تعزيز القدرات الإنتاجية، حيث يجمع المشروع بين استغلال الموارد الوطنية من الغاز الطبيعي، واعتماد أحدث النماذج الاستثمارية، بما يعزز استقرار التموين الكهربائي، ويهيئ الاقتصاد الوطني لدخول مرحلة جديدة من النمو الصناعي.
ولم تتوقف الرؤية الوطنية عند حدود إنتاج الكهرباء، بل اتجهت نحو الاستثمار في مستقبل الطاقة النظيفة، من خلال الانخراط في مشاريع الهيدروجين الأخضر، التي وضعت موريتانيا ضمن قائمة الدول الواعدة عالميا في هذا المجال، مستفيدة من وفرة مصادر الطاقة المتجددة، واتساع المساحات المناسبة لإقامة المشاريع العملاقة.
ومن الطبيعي، في ظل هذه المؤشرات، أن تصبح موريتانيا محط اهتمام المؤسسات المالية الدولية، والشركات العالمية، والشركاء الإقليميين، وهو ما يفسر تنامي الشراكات التي تعقدها البلاد مع مختلف الفاعلين، سواء في مجالات التمويل، أو التكنولوجيا، أو نقل الخبرات، أو تكوين الكفاءات الوطنية.
وفي هذا السياق، يكتسي التعاون الموريتاني المغربي أهمية خاصة، لما يجمع البلدين من رؤية مشتركة تجاه التحول الطاقوي، وما يمتلكه المغرب من تجربة رائدة في مجال الطاقات المتجددة، الأمر الذي يجعل تبادل الخبرات والتكوين ونقل التكنولوجيا عاملا مهما في تسريع وتيرة تطوير القطاع داخل موريتانيا.
كما يعكس الملتقى الإفريقي المنعقد في نواكشوط إدراكا متزايدا بأن مستقبل الطاقة في القارة لن يُبنى إلا من خلال التكامل بين الدول، وتبادل التجارب، وتوحيد الجهود لمواجهة تحديات الطلب المتزايد على الكهرباء، والتحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن موريتانيا اليوم لا تبني محطات كهربائية فحسب، وإنما تبني نموذجا تنمويا جديدا، يجعل من الطاقة محركا للإنتاج، والاستثمار، والتصنيع، وتحسين جودة الحياة، ويؤسس لاقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.
ومن هنا، فإن احتضان نواكشوط لهذا الملتقى القاري يعتبر انعكاسا لمكانة متنامية، ودليلا على أن موريتانيا أصبحت طرفا فاعلا في صياغة مستقبل الطاقة بإفريقيا.
ومع استمرار الإصلاحات، وتوسع الاستثمارات، وتعزيز الشراكات، تبدو البلاد مؤهلة لأن تتحول في السنوات المقبلة إلى قطب إقليمي للطاقة النظيفة، وإلى نموذج إفريقي يجمع بين حسن استغلال الموارد الطبيعية، والرؤية الاستراتيجية، والتنمية المستدامة.
وإذا كان هذا المسار يعكس نجاح السياسات الوطنية في تعزيز أمن الطاقة، فإنه يؤكد أيضا أن موريتانيا تمضي بثبات نحو ترسيخ موقعها كوجهة استثمارية واعدة في مجال الطاقة النظيفة، مستفيدة من مواردها الطبيعية، وشراكاتها الدولية، ورؤية تنموية تجعل من التحول الأخضر أحد أهم رهانات المستقبل.
وكالة الوئام الوطني للأنباء

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)