من موسوعة المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي ثانيًا: من العقل المحرر إلى الإنسان الفاعل

 

بعد أن بيّنا في الجزء السابق كيف جعل القرآن تحرير العقل نقطة البداية في رسالة الله إلى الإنسان، وأن المسؤولية الفردية، ورفض التقليد الأعمى، وإعمال التدبر والتفكر، هي الأسس التي أقام عليها هذا التحرير، يبقى السؤال الأهم: ما الغاية من تحرير العقل؟

إن القرآن لم يحرر العقل ليقف عند حدود الجدل الفكري، ولم يدعُ إلى التفكير بوصفه غاية في ذاته، وإنما أراد عقلًا يبني، ويعمر، ويصلح، ويحول الهداية إلى واقع يعيشه الناس. فالفكرة في المنهج القرآني لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى عمل، والمعرفة لا تؤتي ثمارها إلا إذا أصبحت سلوكًا وحضارة.

ولهذا ارتبط الإيمان في القرآن بالعمل الصالح ارتباطًا وثيقًا، لأن الرسالة الإلهية لا تصنع إنسانًا يحسن الكلام عن الحق فحسب، بل تصنع إنسانًا يقيم الحق في نفسه، وفي أسرته، وفي مجتمعه، وفي كل مجال من مجالات الحياة.

ومن هنا كانت الدعوة إلى النظر في الكون، والتفكر في آيات الله، واكتشاف السنن التي أودعها في الخلق، جزءًا أصيلًا من العبادة، لأن تعمير الأرض لا يكون بالأماني، وإنما بفهم قوانينها وتسخيرها لصالح الإنسان. فكل اكتشاف علمي نافع، وكل ابتكار يرفع معاناة البشر، هو ثمرة لعقل مارس وظيفته التي أرادها الله له.

وحين يتحرر العقل من قيود التقليد، يتحرر معه الإنسان من العجز والاتكال، وينتقل من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن انتظار الحلول إلى صناعتها، ومن تكرار الماضي إلى بناء المستقبل. وهنا تبدأ النهضة الحقيقية، لأن الحضارات لا تقوم على وفرة الموارد وحدها، وإنما تقوم قبل ذلك على الإنسان القادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.

ومن هذا المنطلق، يقدم المشروع الفكري للمفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية تجعل القرآن منهجًا لبناء الإنسان المنتج، الذي يجمع بين القيم والأخلاق، وبين العلم والعمل، وبين الإيمان والعمران، حتى تستعيد الأمة دورها الحضاري، وتسهم في بناء عالم أكثر عدلًا ورحمة وسلامًا.

أربعاء, 08/07/2026 - 16:15