اذهبوا فأنتم الطلقاء / الشيخ ولد المامي

 

لم تعد قوة الدولة في أنها تمتلك مفاتيح السجون، فالقوة الحقيقية تكمن في أنها تعرف متى تضعها جانبا.

فالعقوبة، في الفكر السياسي الراشد، تعتبر وسيلة وليست غاية؛ والدولة التي تتحول فيها الوسائل إلى غايات، سرعان ما تكتشف أنها فقدت الحكمة، وإن بقيت تمتلك السلطة.

لهذا، فإن العفو الرئاسي ينبغي أن يُقرأ من زاوية فلسفة الدولة ذاتها.

لقد مضت قضية النائبتين في طريقها القضائي؛ اختلف الناس حولها، وتباينت مواقفهم، واشتد الجدل حولها، لكن الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن القضاء قال كلمته وفق المساطر التي يرسمها القانون، ولم تتدخل السلطة التنفيذية في مسار المحاكمة، ولم توقفها، ولم تصدر تعليماتها للقضاة، ولم تستعجل استعمال صلاحية يخولها لها الدستور.

وهذه ليست مسألة شكلية.

إنها جوهر الدولة.

فالسلطة التي تستطيع أن تتدخل ثم تمتنع، أقوى من السلطة التي لا تستطيع التدخل أصلا، والامتناع عندما يكون ممكنا، هو أعلى درجات احترام المؤسسات.

كثير من الدول تسقط فقط حين يختلط القاضي بالحاكم، ويصبح الحكم القضائي مجرد صياغة قانونية لإرادة سياسية سبقت كتابتها.

ولعل أخطر ما يصيب الجمهوريات أن يختفي الخط الفاصل بين سلطان القانون وسلطان الأشخاص.

أما إذا بقي كل واحد داخل حدوده، فإن الدولة، مهما اشتدت الخصومات، تبقى واقفة على قدميها.

وحين انتهى القضاء من مهمته، جاء دور السياسة، لتستعمل صلاحية دستورية عرفتها الدول منذ قرون، لأنها أدركت أن العدالة وحدها لا تكفي لبناء المجتمعات، وأن القانون، مهما بلغ من الإحكام، يبقى بحاجة إلى فضيلة أخرى اسمها الرحمة.

والعفو هو انتقال من منطق العدالة إلى منطق الدولة.

فالعدالة تنظر إلى النص، أما الدولة فتنظر إلى المجتمع.

العدالة تفصل في النزاع، أما الدولة فتفكر في ما بعد النزاع.

ولذلك احتفظت الدساتير الحديثة، على اختلاف مدارسها، بحق العفو لرأس الدولة، لأنه وظيفة سيادية، غايتها أن تظل السياسة قادرة عند الحاجة، على رأب ما لا يستطيع القانون وحده رأبه.

ومن هنا، فإن مرسوم العفو يؤكد أن المؤسسات لم تتداخل، بل تعاقبت.

قال القضاء كلمته.

ثم قالت الدولة كلمتها.

وكلاهما قالها من المكان الذي رسمه له الدستور.

أما الذين يعتقدون أن هيبة الدولة لا تكتمل إلا إذا بقي الخصوم في السجون، فإنهم يخلطون بين القوة والانتقام.

فالانتقام غريزة أفراد.

أما الرأفة فهي سلوك دول.

والدول الواثقة لا تبحث عن خصوم مهزومين، لأنها تهدف لصناعة مجتمع أقل احتقانا، وأكثر قدرة على تجاوز جراحه.

ليس من الصعب أن تعاقب.

الصعوبة الحقيقية أن تعرف متى تكفي العقوبة.

وليس عسيرا أن تستعمل السلطة.

العسير أن تستعملها في الوقت المناسب، وبالقدر المناسب، وللغاية المناسبة.

ذلك هو الفرق بين الدولة التي تحكم بردود الأفعال، والدولة التي تحكم بفكرة.

ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن المؤسسات لم تتصارع، فقد تكاملت فقط.

القضاء أدى واجبه.

والرئاسة مارست اختصاصها.

والدستور ظل هو المرجع الأعلى للطرفين.

وهكذا ينبغي أن تكون الجمهوريات.

أما الباقي، فهو اختلاف في المواقف، وليس في أصول الدولة.

ولعل التاريخ يعلمنا أن الأمم تتماسك بثقة المواطنين وحدها في أن القانون محترم، وأن السلطة، حين تمتلك حق الرأفة، تمارسه عن ثقة بالنفس، وعن يقين بأن الدولة التي تستطيع أن تعفو، بعد أن تنتصر للمؤسسات، هي دولة لا تخشى على هيبتها، لأنها لم تجعل هيبتها رهينة بسجن أحد.

جمعة, 10/07/2026 - 16:42