
في الدول التي تتطور فيها الممارسة الديمقراطية، تعد المؤتمرات الصحفية التي يعقدها قادة الدول إحدى أهم أدوات الحكم الرشيد، لأنها تتيح للرأي العام الاطلاع المباشر على مواقف القيادة تجاه القضايا الوطنية، وتكرس مبدأ المساءلة السياسية، وتمنح الإعلام الوطني المكانة التي يستحقها بوصفه الشريك الأول في نقل الحقيقة وصناعة النقاش العمومي.
ومن هذا المنظور، يكتسب المؤتمر الصحفي المرتقب لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أهمية بالغة باعتباره رسالة سياسية وإعلامية ذات دلالات عميقة. فاختيار رأس هرم الدولة مخاطبة المواطنين عبر الصحافة الوطنية، والإجابة مباشرة عن أسئلة ممثليها، يعكس إرادة واضحة في ترسيخ ثقافة الانفتاح والشفافية، وإرساء علاقة أكثر نضجا بين السلطة والإعلام والرأي العام.
ولعل أكثر ما يمنح هذه الخطوة خصوصيتها أنها تأتي في سياق مغاير لما درجت عليه تجارب سابقة، إذ كان كثير من الرؤساء يفضلون المنابر الإعلامية الأجنبية لتوجيه رسائلهم السياسية.
أما أن تكون الصحافة الوطنية منصة مفضلة للحوار مع رئيس الجمهورية، فإن ذلك يحمل دلالة رمزية وعملية في آن واحد تعكس ثقة في انتشار الإعلام الوطني، واعترافا بدوره في مواكبة الشأن العام، كما تؤكد أن القضايا الوطنية ينبغي أن تُناقش أولًا داخل الفضاء الوطني، وبين أبناء الوطن، ومن خلال مؤسساته الإعلامية.
ولا يقل هذا الخيار أهمية عن الرسائل التي سيحملها المؤتمر الصحفي نفسه. فموريتانيا، شأنها شأن بقية دول العالم، تواجه تحديات اقتصادية فرضتها التحولات الدولية، كما أنها تمضي في مسار إصلاحي يشمل تعزيز الحكامة، ومكافحة الفساد، وإطلاق حوار سياسي يراد له أن يكون جامعا ومثمرا، فضلا عن التعامل مع بيئة إقليمية معقدة تفرض يقظة أمنية ودبلوماسية متواصلة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح التواصل المباشر مع المواطنين ضرورة سياسية، وليس مجرد خيار إعلامي، لأن وضوح الرؤية يسهم في تعزيز الثقة، ويحد من مساحة الشائعات والتأويلات.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن المجتمعات التي تتوفر فيها المعلومة الرسمية في الوقت المناسب تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر تماسكا في مواجهة التحديات. أما غياب التواصل، فإنه يترك فراغا سرعان ما تملؤه الروايات المتناقضة والمعلومات غير الموثقة. ومن هنا، فإن المؤتمر الصحفي يمثل إحدى أدوات إدارة الشأن العام، لأنه يضع المواطن أمام المعلومة من مصدرها الأول، ويتيح للإعلام أداء دوره في نقلها وتحليلها ومساءلة أصحاب القرار بشأنها.
كما أن هذه الخطوة تنسجم مع مسار أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة توجها نحو تعزيز الاتصال العمومي، والانفتاح على مختلف الفاعلين، وإشراك الرأي العام في متابعة السياسات العمومية. فالشفافية لم تعد تعني نشر البيانات الرسمية فحسب، بل أصبحت تقوم على الحوار المباشر، والاستعداد للإجابة عن الأسئلة، وتقديم التوضيحات بشأن القضايا التي تشغل المواطنين.
ومن جهة أخرى، فإن هذا المؤتمر يوجه رسالة ثقة إلى الصحافة الوطنية نفسها، ويضعها أمام مسؤولية كبيرة في الارتقاء بأدائها المهني. فكلما منحت الدولة الإعلام الوطني مساحة أوسع للحوار، ازدادت الحاجة إلى صحافة تتحلى بالدقة والموضوعية، وتطرح الأسئلة التي تعبر عن اهتمامات المواطنين، بعيدا عن الإثارة أو الشخصنة، بما يجعل الحوار أداة للرفع من جودة السياسات العمومية وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن الدول التي تراكم الثقة لا تعتمد على الإنجاز وحده، بل تحرص أيضا على تفسيره، ومناقشته، والاستماع إلى أسئلة المجتمع بشأنه. ومن هنا، فإن قيمة المؤتمر الصحفي المرتقب تكمن في الرسالة التي يبعث بها، وهي أن الدولة اختارت أن تجعل الحوار نهجا، والشفافية أسلوبا، والإعلام الوطني شريكا في صناعة المجال العام.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للمبادرة؛ أن تتحول العلاقة بين القيادة والرأي العام من علاقة تقوم على تلقي الرسائل، إلى علاقة قوامها التفاعل، وأن يصبح التواصل ممارسة مؤسسية تعزز الثقة، وترسخ الاستقرار، وتؤكد أن الدولة الحديثة لا تكتفي بإدارة السياسات، بل إنها تسعى إلى إدارة الحوار حولها. وحين يكون الإعلام الوطني هو بوابة هذا الحوار، فإن بناء المستقبل يقوم على الكلمة الواضحة، والإنصات المتبادل، والانفتاح المسؤول.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)