
يكتسب إعلان الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، عن التقدم المتسارع في إنجاز محطة كهربائية بقدرة 72 ميغاوات، ومستودعات لتخزين المحروقات السائلة بسعة 100 ألف متر مكعب، أهمية عكست فلسفة متكاملة في إدارة التنمية، قوامها الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، ومن ثقافة الإعلان إلى ثقافة النتائج.
لقد اختارت موريتانيا، بقيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أن تجعل من قطاع الطاقة أحد أعمدة مشروعها الوطني للتحديث، إدراكا منها بأن أي نهضة اقتصادية حقيقية تبدأ من توفير الطاقة بصورة مستقرة وآمنة، وأن جذب الاستثمارات الصناعية والتعدينية والزراعية والخدمية يظل رهينا بوجود بنية طاقوية قادرة على مواكبة الطموحات التنموية.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذا الملف ليس فقط حجم المشاريع الجاري تنفيذها، وإنما أسلوب إدارتها أيضا. فحديث الوزير الأول عن المتابعة الحثيثة التي تقوم بها طواقم وزارة الطاقة والنفط يعكس حضورا حكوميا ميدانيا يهدف إلى ضمان احترام آجال الإنجاز ومعايير الجودة، ويؤكد أن الدولة تتعامل مع المشاريع الاستراتيجية باعتبارها التزامات وطنية ينبغي أن ترى النور في الآجال المحددة.
فالمحطة الكهربائية الجديدة تعتبر استجابة عملية للطلب المتزايد على الكهرباء، واستعدادا مبكرا لمواكبة التوسع الاقتصادي والعمراني الذي تعرفه البلاد، خصوصا مع تنامي المشاريع الصناعية الكبرى، والتوسع في استغلال الثروات المعدنية، واقتراب دخول موريتانيا مرحلة جديدة من الاستفادة من مواردها الغازية.
أما مشروع مستودعات تخزين المحروقات، فهو يحمل بدوره أبعادا استراتيجية عميقة. ففي ظل ما يشهده العالم من تقلبات في أسواق الطاقة، وما تعرفه سلاسل الإمداد الدولية من تحديات متكررة، أصبح امتلاك مخزون استراتيجي كاف من المحروقات عنصرا أساسيا في حماية الاقتصاد الوطني، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية دون تأثر بالأزمات الخارجية.
كما أن تعزيز قدرات التخزين يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة السوق الوطنية، ويعزز قدرتها على التخطيط بعيد المدى، ويكرس مفهوم الأمن الطاقوي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل.
ولا تنفصل هذه المشاريع عن الرؤية العامة التي تنتهجها موريتانيا في السنوات الأخيرة، والتي تقوم على بناء منظومة طاقوية متكاملة، تجمع بين تطوير الإنتاج التقليدي للكهرباء، والاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة، والاستفادة من الإمكانات الغازية الوطنية، بما يحقق تنوع مصادر الطاقة ويقلص التبعية، ويؤسس لاقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
وتكتسب هذه الديناميكية أهمية إضافية في ظل ما تشهده البلاد من حراك اقتصادي واسع، سواء من خلال مشاريع التعدين، أو تطوير البنية التحتية، أو تنامي الاهتمام الدولي بالاستثمار في موريتانيا، وهو ما يجعل توفير الطاقة عاملا حاسما في تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني، ورفع تنافسيته على المستوى الإقليمي.
ومن اللافت أيضا أن الحكومة لم تعد تربط نجاحها بإطلاق المشاريع فقط، وإنما بمدى التقدم الفعلي في تنفيذها. وهذه المقاربة تعزز الثقة بين الدولة والمواطن، وتؤكد أن الالتزام بالآجال واحترام التعهدات أصبحا جزءًا من ثقافة العمل الحكومي، وهو ما يمنح الرأي العام مؤشرات ملموسة على سير البرنامج التنموي في الاتجاه الصحيح.
ويعكس توقع اكتمال المشروعين قبل نهاية السنة الجارية إرادة سياسية واضحة في تسريع وتيرة الإنجاز، حتى تنعكس ثمار هذه الاستثمارات سريعا على الاقتصاد الوطني، وعلى حياة المواطنين، وعلى قدرة البلاد على مواصلة مسارها التنموي بثقة وثبات.
وعليه فإن الدولة لا تبني اليوم محطات كهرباء ومستودعات للمحروقات فحسب، بل تشيد ركائز اقتصاد المستقبل، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها قطاع الطاقة قاطرة للنمو، وجسرا نحو مزيد من الاكتفاء والسيادة الاقتصادية، وعنوانا لنهج تنموي يجعل من الإنجاز الميداني المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية، في عالم لم تعد الطاقة مجرد خدمة عمومية تُؤمِّن الإنارة أو تشغل المصانع، بل أصبحت معيارا حقيقيا لقياس قدرة الدول على تحقيق التنمية، وتعزيز سيادتها الاقتصادية، واستشراف مستقبلها. فكل مشروع جديد في هذا القطاع يمثل استثمارا في الأمن الوطني قبل أن يكون استثمارا في البنية التحتية، وكل ميغاوات إضافي يختصر مسافات نحو اقتصاد أكثر إنتاجا ومجتمع أكثر استقرارا.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)