الشراكة المغربية الفرنسية.. من المصالح المشتركة إلى التحالف الاستراتيجي/ إسماعيل الرباني*

كشف المشهد الذي رسمته الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي المغرب وفرنسا في الرباط عن ولادة مرحلة جديدة لعلاقات البلدين، عنوانها الانتقال من التعاون القطاعي إلى بناء تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد، يواكب التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، ويؤسس لشراكة تتجاوز الحسابات الظرفية إلى صناعة المستقبل.

فالاثنتا عشرة اتفاقية والإعلانات المشتركة التي توجت أشغال الاجتماع باتت تمثل خارطة طريق متكاملة تعكس رؤية سياسية واقتصادية وأمنية مشتركة، قوامها إدراك متبادل بأن رهانات القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما تشمل الأمن، والسيادة التكنولوجية، والانتقال الطاقوي، والأمن المائي، والثقافة، والبحث العلمي، والقدرة على مواجهة الأزمات العالمية.

ومن اللافت أن المجالات التي شملتها الاتفاقيات جاءت شديدة التنوع، من البنيات التحتية والموانئ والسكك الحديدية والطيران المدني، إلى البحث العلمي، والصيد البحري، والزراعة، والتعليم، والثقافة، والسينما، والمياه. وهذا التنوع ليس اعتباطيا، بل يعكس فلسفة جديدة في العلاقات الدولية، تقوم على بناء منظومات متكاملة للتعاون، بحيث يصبح نجاح أي قطاع داعما لبقية القطاعات، بما يضمن استدامة الشراكة واستقرارها.

ويبرز مشروع تمويل الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش باعتباره أكثر من مجرد مشروع للنقل، فهو رسالة سياسية واقتصادية تؤكد ثقة فرنسا في الرؤية التنموية المغربية، وفي قدرة المملكة على قيادة مشاريع بنيوية كبرى وفق معايير عالمية. كما أنه يعزز موقع المغرب بوصفه منصة لوجستية تربط إفريقيا بأوروبا، مستفيدا من بنيته التحتية الحديثة وشبكة موانئه وموقعه الجغرافي الفريد.

وفي السياق ذاته، يعكس توسيع التعاون في مجالات المياه والهندسة البحرية والموانئ إدراكا مشتركا بأن الأمن المائي والاقتصاد الأزرق سيكونان من أهم محددات القوة الاقتصادية خلال العقود المقبلة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وازدياد التنافس الدولي على الموارد البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

لكن البعد الأكثر أهمية في هذه الشراكة يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والاستراتيجية. فتصريحات الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو بشأن التوجه نحو إبرام معاهدة أمنية شاملة مع المغرب، ستكون الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي، تحمل دلالات عميقة.

فهذا الإعلان يعكس تحولا في الرؤية الفرنسية تجاه المغرب، باعتباره شريكا استراتيجيا لا غنى عنه في فضاء البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وقوة إقليمية تمتلك من الاستقرار السياسي، والقدرات الأمنية، والخبرة الميدانية، ما يؤهلها للاضطلاع بأدوار محورية في مواجهة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والتحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا التقارب لا يمكن عزله عن التحول السياسي الذي شهدته العلاقات الثنائية منذ اعتراف فرنسا سنة 2024 بسيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية. فقد شكل ذلك القرار نقطة تحول مفصلية أنهت سنوات من الفتور والتردد، وأعادت بناء الثقة بين البلدين على أسس أكثر وضوحا وصراحة، لتتحول العلاقة من إدارة الخلافات إلى توسيع مساحات التعاون.

ولعل ما يؤكد هذا التحول هو الوتيرة غير المسبوقة للزيارات المتبادلة، والتي تجاوزت أربعين لقاء واجتماعا رفيع المستوى في أقل من عامين، وهو رقم يعكس حيوية غير معهودة في العلاقات الثنائية، ويؤكد وجود إرادة سياسية قوية لدى القيادتين لإرساء نموذج جديد من الشراكة الاستراتيجية.

كما أن الاهتمام بالثقافة والتعليم والبحث العلمي يكشف أن البلدين يعملان على بناء جسور طويلة الأمد بين المجتمعين المغربي والفرنسي، عبر الاستثمار في المعرفة، وتعزيز التبادل الأكاديمي، وتشجيع الإنتاج الثقافي والعلمي المشترك، وهو ما يمثل ضمانة لاستمرار هذه العلاقة لعقود مقبلة.

وفي بعده الإقليمي، يمنح هذا التقارب المغرب زخما إضافيا في موقعه كشريك رئيسي لأوروبا في القارة الإفريقية، خاصة مع ما راكمته المملكة خلال السنوات الأخيرة من حضور اقتصادي ودبلوماسي متنام داخل إفريقيا، الأمر الذي يجعلها بوابة طبيعية للاستثمارات الأوروبية نحو الأسواق الإفريقية، ويمنح فرنسا فرصة لإعادة تموضعها في القارة عبر شريك يتمتع بالمصداقية والاستقرار.

أما بالنسبة لفرنسا، فإن تعزيز التعاون مع المغرب يندرج ضمن مراجعة أوسع لسياستها الخارجية، تقوم على بناء شراكات أكثر توازنا مع القوى الإقليمية الصاعدة، بعيدا عن المقاربات التقليدية التي لم تعد تستجيب لتعقيدات المشهد الدولي الراهن.

إن مخرجات اجتماع الرباط تؤكد أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت بالفعل مرحلة جديدة، عنوانها الشراكة الاستراتيجية الشاملة، حيث باتت الاتفاقيات أدوات لتنفيذ رؤية مشتركة تستهدف تعزيز التنمية، وترسيخ الأمن، وتوسيع مجالات الابتكار، وبناء فضاء متوسطي وإفريقي أكثر استقرارا وازدهارا.

وإذا كانت التحالفات الدولية تقاس بقدرتها على الصمود أمام المتغيرات، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الرباط وباريس تسيران نحو صياغة نموذج جديد في العلاقات الثنائية، يقوم على تكامل المصالح، واحترام الخصوصيات، وتوحيد الرؤى إزاء القضايا الكبرى، بما يجعل هذه الشراكة واحدة من أكثر الشراكات حيوية وتأثيرا في الفضاءين المتوسطي والإفريقي خلال السنوات المقبلة.

 

*- إسماعيل الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

جمعة, 17/07/2026 - 12:21