
تمثل مصادقة الجمعية الوطنية على مشروع قانون اتفاقية تمويل برنامج الاقتصاد الأزرق وتعزيز صمود المناطق الساحلية في غرب إفريقيا محطة جديدة في مسار السياسات التنموية التي تنتهجها موريتانيا لمواجهة التحديات البيئية، وربط حماية الموارد الطبيعية بتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. فالبرنامج لا يقتصر على كونه اتفاقية تمويل بقيمة 50.3 مليون يورو، وإنما يعكس توجها استراتيجيا يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين التنمية والبيئة، وجعل الساحل الموريتاني رافعة اقتصادية وأداة لتعزيز الأمن البيئي والاجتماعي.
وتأتي هذه الخطوة في سياق دولي تتزايد فيه آثار التغيرات المناخية، حيث أصبحت الدول الساحلية تواجه مخاطر متصاعدة تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر، والتآكل الساحلي، وتراجع التنوع البيولوجي، وتفاقم التصحر والجفاف. وموريتانيا، بما تمتلكه من شريط ساحلي يمتد على أكثر من سبعمائة كيلومتر، تدرك أن حماية هذا المورد الطبيعي أصبحت ضرورة اقتصادية وأمنية.
وقد أبرز عرض وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية أن البرنامج ينسجم مع رؤية فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، القائمة على تعزيز الإدارة المستدامة للمناطق الساحلية، وحماية البنى التحتية، وبناء اقتصاد أزرق قادر على خلق فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. ويعكس هذا التوجه انتقال السياسات العمومية من منطق التدخلات الظرفية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
ويكتسب مفهوم الاقتصاد الأزرق أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، نظرا لما يوفره قطاع الصيد البحري من مساهمة معتبرة في الصادرات الوطنية، وما يتيحه من فرص للاستثمار في الصناعات التحويلية، وتربية الأحياء المائية، والسياحة البيئية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالموانئ، فضلا عن استغلال الموارد البحرية بصورة مستدامة. ومن هنا فإن تطوير هذا القطاع يمثل تنويعا حقيقيا للاقتصاد الوطني وتقليصا للاعتماد على القطاعات التقليدية.
كما أن هيكلة البرنامج حول ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تعزيز الإطار المؤسسي والتنظيمي، وتطوير الاقتصاد الأزرق، وتعزيز الصمود الساحلي، تعكس شمولية المقاربة الحكومية. فالنجاح في إدارة الموارد الساحلية لا يتحقق عبر التمويل وحده، وإنما يحتاج إلى مؤسسات قوية، وتشريعات حديثة، وآليات رقابة فعالة، وقدرات بشرية مؤهلة لضمان حسن التنفيذ.
وفي هذا السياق، جاءت مداخلات النواب لتعكس إدراكا جماعيا لأهمية المشروع، حيث تجاوز النقاش مسألة التمويل إلى قضايا أكثر عمقا، مثل الحكامة، والرقابة، وتحسين مردودية المشاريع، ومعالجة آثار التعدين على البيئة، وحماية الشريط الساحلي لمدينة نواكشوط، ووضع رؤية استراتيجية لمواجهة الفيضانات والحاجز الرملي. وهو نقاش يؤكد أن التنمية المستدامة لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت مسؤولية تشريعية وتنفيذية مشتركة.
ومن الجوانب اللافتة في ردود الوزير تأكيده أن اللجوء إلى التمويل الخارجي يأتي في إطار رؤية اقتصادية مدروسة تفرضها محدودية الادخار الوطني، مع الحفاظ على مستويات آمنة للديْن العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
ويكتسب هذا الطرح أهمية بالغة في ظل النقاش الدائر حول تمويل المشاريع الكبرى، إذ إن معيار نجاح الاقتراض لا يقاس بحجم الدين، وإنما بقدرة المشاريع الممولة على خلق الثروة وتعزيز النمو وتحسين جودة الحياة.
كما أن استحضار نتائج مشروع “واكا 1”، الذي أسهم في حماية آلاف الهكتارات، ودعم الأسر، وتوفير فرص عمل، يقدم مؤشرا عمليا على إمكانية تحقيق نتائج ملموسة عندما تتوافر الإدارة الجيدة والمتابعة المستمرة.
وفي المقابل، فإن اعتراف الحكومة بوجود تحديات تتعلق بجودة تنفيذ بعض المشاريع يعكس قدرا من الواقعية، ويؤكد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على رفع كفاءة التنفيذ، وتعزيز آليات التقييم والمساءلة.
إن نجاح برنامج الاقتصاد الأزرق لن يقاس فقط بحجم التمويل أو بعدد المشاريع المنجزة، بل بقدرته على إحداث تحول هيكلي في إدارة المناطق الساحلية، وتحويلها إلى فضاءات للإنتاج والاستثمار المستدام، مع الحفاظ على التوازن البيئي وحماية المجتمعات المحلية من المخاطر المناخية.
وتعكس مصادقة الجمعية الوطنية على هذه الاتفاقية توافقا وطنيا حول أهمية الاستثمار في الاقتصاد الأزرق باعتباره أحد محركات التنمية المستقبلية. وإذا ما اقترنت الموارد المالية بحسن التخطيط والتنفيذ والرقابة، فإن البرنامج سيكون قادرا على تعزيز صمود السواحل الموريتانية، وحماية ثرواتها الطبيعية، وفتح آفاق جديدة للتشغيل والاستثمار، بما ينسجم مع رؤية الدولة لبناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)