حدث وتعليق/ الدولة تبادر والجريمة تتراجع.. اليقظة الأمنية تجفف منابع الاقتصاد الإجرامي

في ظرف أيام قليلة، توالت العمليات الأمنية النوعية في أكثر من ولاية موريتانية، من النعمة شرقا إلى نواذيبو في أقصى الشمال الغربي، ومن روصو جنوبا إلى نواكشوط، وصولا إلى الشريط الحدودي في تيرس زمور شمالا، لتقدم صورة واضحة عن مرحلة جديدة في التعاطي مع الجريمة المنظمة، قوامها العمل الاستباقي، والاعتماد على الاستخبارات الأمنية، والتنسيق بين مختلف الأجهزة، بما يعكس إرادة الدولة في فرض هيبة القانون وتجفيف منابع الاقتصاد الإجرامي.

وتكشف العمليات الأمنية المتلاحقة التي نفذتها وحدات الدرك الوطني والشرطة الوطنية خلال الأيام الأخيرة عن تحول نوعي في الأداء الأمني بموريتانيا، عنوانه الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن ملاحقة الجرائم بعد وقوعها إلى استباقها وتفكيك شبكاتها قبل أن تتمكن من تحقيق أهدافها.

فاللافت في هذه العمليات ليس حجم المحجوزات أو عدد الموقوفين فحسب، وإنما اتساع رقعتها الجغرافية وتنوع الجرائم المستهدفة، وهو ما يعكس جاهزية ميدانية عالية، وفعالية متزايدة في جمع المعلومات وتحليلها، وتنسيقا محكما بين مختلف الوحدات الأمنية.

ففي مدينة النعمة، تمكن الدرك الوطني، بعد تحريات دقيقة، من ضبط ما يقارب 69 ألف لتر من المحروقات كانت معدة للتهريب، في عملية تؤكد أن شبكات التهريب لم تعد تتحرك بعيدا عن أعين الأجهزة المختصة.

وفي نواذيبو، أسفرت عملية تفتيش مدعومة بالكلاب المدربة عن ضبط كمية من المخدرات والحبوب المهلوسة وتوقيف المشتبه به، قبل أن تعلن الشرطة لاحقا عن تفكيك شبكة أكبر تنشط في تهريب وترويج المخدرات، مع ضبط 85 كيلوغراما من صمغ الحشيش وحجز سيارات كانت تستخدم في النشاط الإجرامي.

أما في روصو، فقد أحبط الدرك محاولة لإدخال آلاف الأقراص المهلوسة إلى البلاد، في عملية كشفت أيضا عن الأساليب التي تلجأ إليها الشبكات الإجرامية، بما في ذلك استغلال القاصرين لإخفاء الممنوعات، وهو ما يبرز خطورة هذه العصابات واستعدادها لتجاوز كل الاعتبارات الإنسانية من أجل تحقيق الربح غير المشروع.

وفي العاصمة نواكشوط، نجحت وحدات الدرك في تفكيك شبكة متخصصة في جلب وتوزيع الخمور، مع ضبط كميات من المواد المخدرة وتوقيف ثلاثة عشر شخصا، في حين تمكنت الشرطة في تيرس زمور من توجيه ضربة قوية لشبكة تنشط على الشريط الحدودي، أسفرت عن توقيف سبعة عشر شخصا، وضبط كميات معتبرة من المخدرات والحبوب المهلوسة، إضافة إلى حجز سيارات وتجميد حسابات مصرفية يشتبه في ارتباطها بعائدات الأنشطة الإجرامية.

وتعكس هذه العمليات أن الأجهزة الأمنية لا تكتفي بمصادرة الممنوعات، بل تستهدف البنية التنظيمية للشبكات الإجرامية، من خلال توقيف قادتها وعناصرها، وتتبع وسائل النقل المستخدمة، وتعقب الموارد المالية الناتجة عن أنشطتها، وهو تطور مهم في منهجية مكافحة الجريمة المنظمة.

فالنجاح الحقيقي يقاس بقدرة الدولة على حرمان الشبكات من أدواتها اللوجستية ومصادر تمويلها، بما يجعل إعادة تشكيلها أكثر صعوبة، ويرفع كلفة النشاط الإجرامي إلى مستويات رادعة.

كما تؤكد هذه العمليات أن مكافحة التهريب ليست قضية أمنية بحتة، بل هي أيضا معركة لحماية الاقتصاد الوطني. فتهريب المحروقات يمثل استنزافا للموارد، ويخلق اقتصادا موازيا يضر بالمنافسة المشروعة ويقوض جهود التنمية.

وفي المقابل، فإن التصدي للمخدرات والمؤثرات العقلية والخمور غير المشروعة يحمل بعدا اجتماعيا لا يقل أهمية، إذ يسهم في حماية الشباب من آفة الإدمان، ويحد من الجرائم المرتبطة بتعاطي المخدرات، ويحافظ على استقرار الأسر والمجتمع.

وتبرز هذه العمليات كذلك مستوى التكامل بين مختلف الأجهزة الأمنية، حيث يؤدي كل جهاز دوره ضمن اختصاصه، مع تبادل المعلومات والتنسيق الميداني، وهو ما يفسر نجاح العمليات في ولايات متعددة خلال فترة زمنية قصيرة.

كما أن الاعتماد على التحريات الدقيقة، والاستفادة من الوسائل التقنية، واستخدام الكلاب المدربة، ومتابعة التدفقات المالية، كلها مؤشرات على تطور أدوات العمل الأمني، ومواكبته لأساليب الجريمة المنظمة التي أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا.

إن ترسيخ الأمن يمثل شرطا أساسيا لتحقيق التنمية وجذب الاستثمار وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة. وكلما نجحت الأجهزة الأمنية في تضييق الخناق على شبكات التهريب والاتجار بالمخدرات، ازدادت قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومجتمعها وحدودها.

وتؤكد الضربات الأمنية الأخيرة أن موريتانيا تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مقاربة أمنية حديثة، تقوم على الاستباق والاحترافية والتنسيق، بما يعزز هيبة الدولة، ويرسل رسالة حاسمة إلى الشبكات الإجرامية مفادها أن فضاء العمل غير المشروع يضيق يوما بعد يوم، وأن سيادة القانون هي الإطار الذي لا يمكن تجاوزه.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

خميس, 23/07/2026 - 13:11