حدث وتعليق/ الربط الكهربائي الموريتاني المغربي.. شراكة تبني الأمن الطاقوي

يمضي مشروع الربط الكهربائي بين موريتانيا والمغرب بخطوات متقدمة، في تطور يعكس تنامي الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ويؤكد أن التعاون الثنائي لم يعد محصورا في المجالات التقليدية، بل أصبح يتجه بصورة متزايدة نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى ذات الأثر المباشر على التنمية والأمن الطاقوي.

وبحسب ما أوردته قناة Medi1TV اليوم الأحد، فإن الدراسات المرتبطة بمشروع الربط الكهربائي بين البلدين تتواصل وفق الجدول الزمني المحدد، على أن تستكمل قبل ديسمبر 2026، وذلك بالتزامن مع مباحثات هاتفية بين وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية ليلى بنعلي ووزير الطاقة والنفط الموريتاني محمد ولد خالد، خصصت لبحث تطورات المشروع وآفاق التعاون في قطاعي الكهرباء والطاقة.

وتكمن أهمية هذا التطور في كونه مشروعا استراتيجيا يمكن أن يعيد تشكيل خريطة التعاون الطاقوي في المنطقة، من خلال تعزيز موثوقية الشبكات الكهربائية، وتسهيل تبادل الطاقة، وفتح المجال أمام استفادة البلدين من إمكاناتهما المتزايدة في مجال الطاقات المتجددة.

ففي عالم أصبحت فيه الطاقة أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لم تعد الدول تنظر إلى الكهرباء باعتبارها مجرد خدمة عمومية، وإنما باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الأمن الوطني والتنمية المستدامة.

ومن هذه الزاوية، فإن الربط الكهربائي بين موريتانيا والمغرب يمكن أن يوفر للبلدين هامشا أكبر للتعامل مع الاختلالات الطارئة، وتحقيق قدر من المرونة في تلبية الطلب، والاستفادة المتبادلة من فائض الإنتاج عند توفره.

وقد سبق أن أكدت المعطيات المرتبطة بالاتفاق الموقع بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب المغربي والشركة الموريتانية للكهرباء أن الربط يستهدف تعزيز موثوقية الشبكتين وتحسين أدائهما وتسهيل تبادل الطاقة بين البلدين.

وهنا تبرز القيمة الحقيقية للمشروع بالنسبة لموريتانيا، التي تشهد خلال السنوات الأخيرة توسعا في مشاريع إنتاج الطاقة، سواء من الغاز أو المصادر المتجددة، وتسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز استقرار شبكتها الكهربائية ومواكبة النمو المتزايد في الطلب على الكهرباء.

فالربط مع شبكة إقليمية قوية لا يعني التخلي عن الاستثمار في الإنتاج المحلي، بل يمثل طبقة إضافية من الأمان والاستقرار، تسمح بتبادل الطاقة والاستجابة بصورة أفضل للظروف الاستثنائية.

ويكتسب التطور الأخير أهمية إضافية لأنه يأتي في أعقاب موقف عملي عبّر عن طبيعة العلاقات الموريتانية المغربية، حين أشاد وزير الطاقة والنفط الموريتاني بالدعم الذي قدمه المغرب، عبر المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، عقب الحادث الذي طال محطتي كهرباء في نواكشوط، والذي ساهم في استعادة الخدمة الكهربائية في وقت وجيز.

وهذه الواقعة تتجاوز في دلالتها مجرد تدخل فني في ظرف طارئ؛ فهي تقدم نموذجا لما يمكن أن تعنيه الشراكات الإقليمية عندما تتحول الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى تعاون ميداني في لحظات الحاجة.

فالكهرباء من أكثر القطاعات حساسية، وأي اضطراب واسع فيها ينعكس سريعا على حياة المواطنين، والمرافق الصحية، والمؤسسات، والأنشطة الاقتصادية. ولذلك فإن وجود خبرات ومؤسسات قادرة على التدخل والدعم المتبادل يمثل قيمة استراتيجية بحد ذاته.

ومن اللافت أن الإشادة الموريتانية بالدعم المغربي جاءت بالتزامن مع بحث تقدم الدراسات الخاصة بالربط الكهربائي، بما يعكس تكامل مسارين، أحدهما مسار للتعاون في مواجهة التحديات الآنية، والثاني لبناء حلول استراتيجية طويلة المدى.

الأهم من ذلك أن التعاون الموريتاني المغربي في الطاقة يتجاوز الكهرباء التقليدية إلى الطاقات المتجددة، وهو مجال يمتلك فيه البلدان فرصا استثنائية.

فموريتانيا تتمتع بإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، بينما راكم المغرب خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في تطوير مشاريع الطاقات المتجددة والبنية التحتية الكهربائية. ومن ثم فإن ربط الشبكتين يمكن أن يصبح، مستقبلا، جزءا من منظومة أوسع لتبادل الطاقة النظيفة والاستفادة من الإمكانات المتاحة على جانبي الحدود.

وكان البلدان قد وقعا في يناير 2025 مذكرة تفاهم لتطوير الشراكة في مجالات الكهرباء والطاقات المتجددة، في خطوة وُصفت بأنها محورية لتسريع التعاون بينهما في هذا المجال. وبالتالي، يعتبر مشروع الربط الكهربائي حلقة ضمن سلسلة من المشاريع التي يمكن أن تجعل من موريتانيا والمغرب فضاءً متكاملا للتعاون في مجال الطاقة.

إن استقرار الكهرباء يعني استقرار الإنتاج، ورفع قدرة المؤسسات والمصانع والمنشآت الاقتصادية على العمل، وتحسين جاذبية الاستثمار.

ومن هنا يمكن أن تكون للربط الكهربائي انعكاسات تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، لتشمل الصناعة والتعدين والخدمات وتحلية المياه والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وغيرها من القطاعات التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على توفر كهرباء مستقرة وذات جودة.

كما أن المشروع ينسجم مع توجه أوسع نحو تعزيز الربط الإقليمي للطاقة في إفريقيا، إذ سبق أن أشير إلى إمكانية أن يسهم الربط الموريتاني المغربي في تسهيل تبادل الطاقة مع أوروبا وغرب إفريقيا ضمن منظومة تجمع الشبكات الكهربائية الإقليمية.

وهذا البعد الإقليمي يمنح المشروع أهمية إضافية، لأنه يحول العلاقة الطاقوية بين نواكشوط والرباط من تعاون ثنائي محدود إلى مكون محتمل في شبكة أوسع من التكامل الكهربائي بين شمال وغرب القارة الإفريقية.

إن بلوغ مرحلة استكمال الدراسات قبل ديسمبر 2026 يمثل في حد ذاته مؤشرا إيجابيا على انتقال المشروع من مستوى الفكرة والتفاهمات السياسية إلى مراحل أكثر تقدما من التحضير الفني والتنفيذي.

وإذا كانت المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى دراسات دقيقة، وتقييمات فنية واقتصادية وبيئية، فإن الالتزام بالجدول الزمني المعلن يعكس جدية الطرفين في تحويل هذا المشروع إلى واقع.

إن الربط الكهربائي بين موريتانيا والمغرب يبدو اليوم أكثر من مجرد خط لنقل الكهرباء؛ بل إنه جسر جديد للتنمية والتكامل والأمن الطاقوي، يعكس عمق العلاقات بين البلدين، ويترجم إرادة مشتركة في بناء شراكات عملية قادرة على خدمة المصالح المتبادلة.

والأهم أن الدعم المغربي لموريتانيا خلال أزمة الكهرباء، بالتوازي مع استمرار العمل على مشروع الربط، يقدم رسالة واضحة مفادها أن الشراكات الناجحة لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة التحديات، وفتح آفاق جديدة أمام شعوبها.

ومن هذه الزاوية، فإن مشروع الربط الكهربائي الموريتاني المغربي يمثل استثمارا في المستقبل قبل أن يكون استثمارا في الأسلاك والمحطات، لأنه استثمار في استقرار الطاقة، وفي التنمية، وفي تكامل اقتصادي وإقليمي يمكن أن تتسع آفاقه كثيرا خلال السنوات المقبلة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

أحد, 30/08/2026 - 20:16