حدث وتعليق/ الحكومة المقبلة ورهان التنمية الشاملة.. قراءة في أولويات المرحلة الجديدة

حمل التصريح الذي أدلى به الوزير الأول المختار ولد اجاي، عقب تكليفه من طرف رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، امس الجمعة، بتشكيل حكومة جديدة، جملة من الرسائل السياسية والاجتماعية والتنموية التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتكشف عن توجه نحو مواصلة تنفيذ البرنامج الرئاسي، مع التركيز على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتوسيع فرص الشباب، وتعزيز التنمية في المدن والأرياف.

وتكمن أهمية هذا التصريح في أنه تجاوز حدود التعبير عن الامتنان للثقة الرئاسية، ليضع جملة من الأولويات أمام الحكومة المرتقبة، في مقدمتها الكفاءة في الأداء، والفعالية في تنفيذ البرامج، والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية، بما يجعل من التشكيلة الحكومية الجديدة أداة لمواصلة تنفيذ الالتزامات المعلنة وتحويلها إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

إن تأكيد الوزير الأول ضرورة توفر الحكومة الجديدة على الكفاءة السياسية والفنية يعكس إدراكا لأهمية العنصر البشري في نجاح السياسات العمومية، إذ لا تتوقف فعالية البرامج الحكومية على سلامة أهدافها فحسب، بل ترتبط أيضا بقدرة المسؤولين على التخطيط والتنفيذ والتنسيق، وحسن استخدام الموارد المتاحة، ومتابعة النتائج وتصحيح الاختلالات.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشكيلة حكومية تجمع بين الخبرة والقدرة على الإنجاز، وتستوعب طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، وتتمتع بالاستعداد للعمل بروح الفريق، بعيدا عن تشتت الجهود أو تضارب الأولويات.

كما أن ربط الكفاءة بمواصلة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية «طموحي للوطن» يضع مسألة الانسجام بين التوجهات الاستراتيجية والبرامج القطاعية في صلب العمل الحكومي، بما يساعد على ضمان استمرارية المشاريع والالتزامات، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية بالتنفيذ.

لقد احتلت الحماية الاجتماعية مكانة بارزة في تصريح الوزير الأول، الذي شدد على ضرورة تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لمساعدة المواطنين الأقل دخلا على مواجهة تداعيات الأزمة العالمية الراهنة.

ويعكس هذا التوجه أهمية الحفاظ على البعد الاجتماعي للسياسات العمومية، خصوصا في ظل ما قد تفرضه التقلبات الاقتصادية الدولية من ضغوط على القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد احتياجات الفئات الأكثر هشاشة.

وتتجاوز الحماية الاجتماعية، في هذا الإطار، مجرد تقديم المساعدات المباشرة، لتشمل تطوير آليات الاستهداف، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وربط التدخلات الاجتماعية ببرامج التكوين والتشغيل التي تتيح للأسر فرصا أكثر استدامة لتحسين أوضاعها المعيشية.

ومن هنا، فإن التحدي الأساسي أمام الحكومة المقبلة يتمثل في ترجمة هذه الأولوية إلى إجراءات قابلة للقياس، تحقق التوازن بين حماية الفئات الهشة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي.

أما تأكيد الوزير الأول على أهمية إطلاق ديناميكية جديدة في مجالات التكوين والتشغيل والمشاركة وتمكين الشباب، فيحمل دلالة واضحة على ضرورة التعامل مع هذه الفئة باعتبارها شريكا أساسيا في التنمية، وليس مجرد مستفيد من البرامج الحكومية.

فالشباب يمثلون رصيدا بشريا مهما يمكن أن يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، وتطوير المبادرات الخاصة، وتحسين الإنتاجية، شريطة توفير فرص حقيقية لاكتساب المهارات، والولوج إلى سوق العمل، والاستفادة من برامج التمويل والمواكبة.

ويقتضي تحقيق هذه الأهداف تعزيز الصلة بين التكوين واحتياجات سوق العمل، وتوسيع فرص التدريب المهني، وتشجيع المبادرات المقاولاتية، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يساعد على الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات أكثر ارتباطا بالنتائج.

كما أن إشارة الوزير الأول إلى المدن والأرياف تؤكد أهمية توسيع نطاق هذه الفرص جغرافيا، حتى لا تظل الاستفادة من برامج التكوين والتشغيل متركزة في المدن الكبرى، بينما تواجه المناطق الداخلية صعوبات أكبر في الوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية.

وشكلت التنمية في المدن والمناطق الداخلية محورا آخر من محاور التصريح، بما يعكس أهمية تحقيق توزيع أكثر توازنا للفرص والخدمات، وتعزيز قدرة مختلف الولايات والمقاطعات على الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية المتاحة.

فالتنمية المحلية لا تتحقق بمجرد إطلاق مشاريع متفرقة، وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة تراعي خصوصية كل منطقة، وتحدد احتياجاتها ذات الأولوية، وتربط الاستثمار في البنية التحتية بتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحسين التنسيق بين القطاعات الحكومية والسلطات الإدارية والمنتخبين المحليين، وتعزيز متابعة المشاريع على المستوى الميداني، بما يضمن توجيه الموارد نحو الاحتياجات الفعلية للسكان، والحد من الفوارق في الاستفادة من الخدمات العمومية.

كما أن توسيع فرص التنمية في المناطق الداخلية يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصادات المحلية، والحد من الهجرة نحو المراكز الحضرية الكبرى، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف مكونات البلاد.

إن تجديد الثقة في المختار ولد اجاي لتشكيل حكومة جديدة يفتح المجال أمام مواصلة العمل على تنفيذ البرنامج الرئاسي، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى رفع مستوى الأداء الحكومي وتعزيز الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وقد أشار الوزير الأول إلى عزمه الشروع فورا في إعداد مقترح التشكيلة الحكومية وتقديمه إلى رئيس الجمهورية في أقرب وقت، بما يعكس الطابع العملي للمهمة الموكلة إليه، ويضع تشكيل الفريق الحكومي في مقدمة الاستحقاقات المباشرة للمرحلة الجديدة.

لقد قدّم تصريح الوزير الأول المختار ولد اجاي تصورا لأولويات الحكومة المرتقبة، يقوم على مواصلة تنفيذ البرنامج الرئاسي، وتعزيز الكفاءة في التسيير، وتكثيف الجهود في مجال الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص الشباب، ودفع التنمية في المدن والأرياف.

وتكمن القيمة العملية لهذه الأولويات في قدرتها على الربط بين الاستمرارية في تنفيذ البرامج المعلنة، والاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع إعطاء الأولوية للنتائج التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

وبذلك، فإن الرهان أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على استكمال تشكيلتها أو تحديد قطاعاتها، بل يتمثل أساسا في تحويل التوجيهات إلى برامج عملية، والبرامج إلى إنجازات قابلة للتقييم، بما يعزز فعالية العمل العمومي ويجعل التنمية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين معيارين أساسيين للحكم على نتائج المرحلة المقبلة، وهو ما يرى المراقبون قدرة الحكومة المقبلة على إنجاحها إذا ما تم احترام المعايير التي وضعها الرئيس وأبلغ بها الوزير الأول الرأي العام عبر تصريحه بعد التكليف.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

سبت, 10/10/2026 - 16:03