الصين... عودة إلى الذاكرة واستلهام للمستقبل/ بقلم: د. عبد الرحمن بايَّ

إنها الصين، تلك البلاد التي عرفتها منذ زمن بعيد.

تقع الصين في شرق آسيا، على الساحل الغربي للمحيط الهادئ، وتبلغ مساحتها نحو 9.6 مليون كيلومتر مربع، ويصل طول حدودها البرية إلى 22 ألف كيلومتر، فيما يمتد ساحلها البحري على نحو 18 ألف كيلومتر. ويبلغ عدد سكانها قرابة 1.4 مليار نسمة، وتضم، إلى جانب قومية الهان التي تشكل الأغلبية، 55 أقلية قومية. في عام 2025، تجاوز اجمالي الناتج المحلي حاجز 140 تريليون يوان (1 يوان حوالي 6,5 اوقية جديدة).

جئتها أول مرة وأنا في مقتبل العمر، وها أنا أعود إليها اليوم وقد خطّ الشيب بعض ملامحه على رأسي وذقني. عدت إليها فوجدت بلداً تغيرت ملامحه، وتطورت فيه مختلف مناحي الحياة، حتى خُيّل إليّ أنني أعيش حلماً من أحلام اليقظة. كانت عودة تستحضر ذكريات الشباب، وتكشف، في الوقت ذاته، عن حجم التحول الذي يمكن أن تصنعه الرؤية الواضحة، والتخطيط المحكم، والعمل المتواصل.

لقد أعادت إليّ هذه الزيارة، من خلال مشاركتي في البرنامج التكويني بمعهد شانغهاي للتجارة الدولية، ذكريات جميلة اختزنتها في أعماق الذاكرة منذ سنوات الدراسة والتكوين بجامعة بكين الطبية. كنت أجد في كل أستاذ استُدعي لتأطيرنا امتداداً لأساتذتي القدامى، وأستحضر، من خلال المشرفة راضية ومساعدتيها روان وديما والمترجم نعيم، صوراً لزملاء الدراسة ورفقاء درب التكوين.张心悦 و陈佳雯

أما زملائي القدامى الذين لم تتح لي فرصة زيارتهم هذه المرة، فتتداعى في ذهني أسئلة كثيرة عنهم: هل كبروا كما كبرت؟ وهل اعتراهم الشيب كما اعتَراني؟ هل تبوؤوا مناصب عليا؟ وهل ما زالوا يعملون في الحقل الصحي أو البحثي؟ وهل تغيرت ملامحهم كما تغيرت ملامح مدينتهم؟

ما زالت ذاكرتي تحتفظ بصورهم الجميلة يوم تخرجنا، ونحن في ريعان الشباب، وكأن تلك اللحظات لم يمض عليها سوى زمن قصير، أو كأنها لحظات ثابتة لا تتغير! لكن، هل استطاعوا الحفاظ على ما أضعته أنا من مظاهر الشباب؟ إنها، للأسف، تساؤلات لا تزال بلا أجوبة حتى الآن.

أتمنى أن يكونوا قد تغيروا نحو الأفضل، كما تغيرت المدينة التي ألفتها، وجلت في مختلف أحيائها وساحاتها وقصورها القديمة ومنتزهاتها وأسواقها. فقد اختفت أزقتها ومبانيها القديمة تحت زحف العمارات الشاهقة، والشوارع والجسور المتداخلة التي تلتف في أرجاء أحيائها كالتنين، حتى ليصعب على الناظر تمييز رأسه من ذيله. واختفى كثير من باعة الأطعمة والوجبات الشعبية البسيطة الذين كانوا يضفون على الأزقة نكهة خاصة، لتحل محلهم المطاعم الكبرى وخدمات التوصيل الحديثة، التي باتت تصل إلى المكاتب والمنازل بسرعة وكفاءة. لم تعد المدينة كما عرفتها، وإن ظلت بعض ملامحها تسكن الذاكرة.

إن هذه العودة ليست مجرد رحلة إلى الماضي، بل هي تجربة جديدة ومختلفة، عشت تفاصيلها مع زميلاتي وزملائي في الدفعة الثلاثين، ضمن برنامج تكويني ثري جمع بين اكتساب المعرفة، واستلهام التجربة الصينية في التخطيط والتنمية، وتبادل الخبرات، وبناء صداقات إنسانية ستظل راسخة في الذاكرة.

كان القائمون على البرنامج حجر الزاوية في نجاح هذه التجربة، ليس فقط بما قدموه لنا من معرفة وتأطير، وإنما أيضاً بما أحاطونا به من كرم الضيافة، وحسن الرعاية، وتهيئة الظروف الملائمة للإقامة. لقد كانوا جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية طوال فترة الدورة، من خلال برنامج محكم التخطيط، متكامل العناصر، متناسق الأنشطة، ووافٍ بتحقيق أهدافه. وأحسنوا توجيهنا وقيادتنا، على اختلاف مشاربنا وخلفياتنا المهنية والثقافية، كما يقود الملحن الماهر أعضاء فرقته الموسيقية، فينسجم اختلاف الآلات وتتآلف الأصوات لتنتج لحناً جميلاً.

ولعل ما يميز التجربة الصينية، التي عايشنا بعض جوانبها، هو ذلك الترابط بين الرؤية الاستراتيجية والتخطيط طويل المدى، وتعبئة الإمكانات وحسن توظيفها، والرقابة الصارمة والمحايدة، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والقطاعات المنتجة. وهي تجربة تؤكد أن التنمية ليست مجرد مشاريع متفرقة، بل مسار متكامل يحتاج إلى رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، واستمرارية في العمل، وقدرة على تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة.

واليوم، وقد عدنا إلى وطننا، نحمل معنا معرفة جديدة ومسؤولية أكبر في استيعاب ما تعلمناه ونقله إلى واقعنا الوطني. ويحدونا الأمل في توظيف هذه المكتسبات لتطوير التخطيط المبني على البيانات، وتحسين تنفيذ البرامج وتقييمها، والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار، ودعم القطاعات المنتجة، بما يراعي خصوصية بلدنا وإمكاناته وأولوياته.

فنحن لسنا مطالبين بنقل التجربة الصينية كما هي، وإنما باستلهام ما يناسب واقعنا منها، وتكييفه مع احتياجاتنا وإمكاناتنا. فالتحدي الحقيقي هو أن نحول المعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى إنجازات، والإنجازات إلى تحسن ملموس في حياة المواطن.

وعلى المستوى الإنساني، قد لا تفي الكلمات بالتعبير عن مشاعرنا ونحن نغادر بعد فترة غنية بعطائها المعرفي، وممتعة بما أحطنا به من رعاية واهتمام وكرم ضيافة. لقد أصبح المؤطرون جزءاً من تفاصيل أيامنا، حتى بات فراقهم أشبه بفقدان جزء عزيز من هذه التجربة. ونرجو أن يسامحونا ويتجاوزوا عن كل تقصير أو نقص قد يكون صدر منا خلال فترة إقامتنا بينهم.

دمتم كما عهدناكم: بكرم ضيافتكم، وقربكم الإنساني، وحسن أدائكم وجديتكم، وحرصكم على مواكبة العصر وتحدياته. وهي خصال لم تعد مجرد سمات فردية، بل أصبحت ملامح بارزة في مسيرة بلدكم وفي مختلف مجالات الحياة فيه.

وإذا كانت هذه الدورة قد انتهت، فإن ما تركته في نفوسنا من معرفة وذكريات وصداقات لن ينتهي. نأمل أن تكون نهايتها بداية لعمل مثمر، وأن تتحول مخرجاتها إلى مبادرات ومشاريع تسهم في خدمة بلدينا، وتعزز التعاون بين موريتانيا والصين.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو استحضار إحدى المحطات الرمزية في تاريخ الصداقة بين بلدينا: ميناء الصداقة في نواكشوط، الذي ارتبط إنجازه بإرادة صينية موريتانية مشتركة، رغم التحديات التي فرضتها أمواج المحيط الأطلسي العاتية وطبيعة الشاطئ الرملية. وتروي الذاكرة المرتبطة بهذا المشروع أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ أصر على إنجازه حين قيل له إن أمواج المحيط تحول دون ذلك. وهكذا أصبح الميناء شاهداً على أن الإرادة قادرة على تجاوز الصعاب، ورمزاً لعلاقة صداقة لم تكن مجرد شعارات، بل تجسدت في مشاريع ومنجزات.

لقد غادرنا ونحن نشعر بأننا نحمل مسؤولية كبيرة في استيعاب ما تفضلوا بتقديمه إلينا، والأمانة في نقله وتوظيفه. لكننا، في الوقت نفسه، نحس بثقل الفراق، فنلوذ بالصمت والتأمل والدعاء، أملاً في أن يجمعنا اللقاء مجدداً. وإن لم تسمح لنا الأيام بذلك، فربما يكشف الشوق يوماً عما لم تسعفنا الكلمات في البوح به. وأنتم، أيها الأصدقاء الصينيون أقدر على فهم ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه ، بما يجمعنا من تراث وثقافة شرقية مشتركة.

فلتظل الصداقة الموريتانية الصينية أقوى من أمواج المحيط، وليبقَ التعاون جسراً للتقارب، ورافعة للتنمية، وأفقاً أرحب لازدهار الشعوب.

عاشت الصداقة الموريتانية الصينية، ودام التعاون بينهما.

 

أحد, 08/11/2026 - 19:24