فقه الصيام.. إلى أي حد يؤثر الإعلام والسهر على روحانية الصوم؟

سؤال: إلى أي حد يؤثر الإعلام والسهر على روحانية الصوم؟

 

جواب: يؤثر الإعلام والسهر على روحانية الصوم بدرجة كبيرة ومتفاوتةبحسب نوع المحتوى، وطبيعة السهر، ومدى وعي الصائم بوظيفة الصوم بوصفه عبادة وسلوكا شاملا، لا مجرد امتناع عن الطعام والشراب. فالصوم في جوهره ليس كبحا للجسد فحسب، بل تهذيبٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة، وإعادة ترتيب للعلاقة مع الوقت والقيم والمعنى.

 

من جهة الإعلام، يتجلى التأثير حين يتحول شهر الصوم إلى موسم استهلاك مكثف للمسلسلات والبرامج الترفيهية التي تُضخ لساعات طويلة، غالبا بمضامين تقوم على الإثارة، واللغو، والسخرية، وأحيانا التطبيع مع العنف أو الانحلال اللفظي والأخلاقي.

هذا النوع من المحتوى يستنزف الانتباه ويشتّت القلب، فيُضعف حضور الذكر، ويُفرغ أوقاتا كان يمكن أن تُستثمر في العبادة أو التأمل أو صلة الرحم.

ومع التكرار اليومي، يتحول الإعلام من وسيلة إلى مُوجّه للوجدان، فيطغى الإيقاع الاستهلاكي على الإيقاع الروحي الذي يفترض أن يميّز رمضان.

 

أما السهر، فإذا خرج عن حدّه الطبيعي، انقلب من مجال للأنس المشروع إلى سبب في إرهاق البدن وتشويش الذهن. السهر الطويل، خصوصا إذا ارتبط بمتابعة إعلامية متواصلة، يُضعف القدرة على الخشوع، ويجعل الصائم مثقلا بالنعاس والتعب في الصلوات، خاصة الفجر والتراويح، ويؤدي إلى اضطراب في نظام اليوم الرمضاني، فيتحول النهار إلى وقت كسل، ويغيب الإحساس بمعنى المجاهدة والصبر. وهنا لا يكون الأثر جسديا فحسب، بل روحيا أيضا، لأن حضور القلب في العبادة مرتبط إلى حد بعيد باليقظة الذهنية والتوازن الزمني.

 

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الإعلام والسهر مفسدان بالضرورة لروحانية الصوم، فالأثر يتحدد بالاختيار والنية. الإعلام الهادف، والبرامج العلمية والدينية، والمجالس الرمضانية المعتدلة، قد تكون معينة على الفهم والتزكية وتعميق الوعي الديني. كما أن السهر القصير المنضبط، المرتبط بصلاة أو ذكر أو جلسة عائلية هادئة، لا يناقض مقاصد الصوم، بل قد ينسجم معها.

 

الخلاصة أن الإعلام والسهر يتحولان إلى عامل إضعاف لروحانية الصوم حين يهيمنان على الوقت والقلب، ويصرفان الصائم عن مقاصد العبادة، ويغذيان الغفلة بدل اليقظة. أما حين يُضبطان بالوعي والاعتدال، ويُجعلان في خدمة المعنى لا استنزافه، فإن الصوم يبقى قادرا على أداء وظيفته الكبرى، وهي تزكية النفس، وتعميق الصلة بالله، وإعادة الإنسان إلى مركزه الأخلاقي والروحي.

أربعاء, 04/03/2026 - 13:58