الرؤساء في موريتانيا: من صلابة البدايات إلى رصانة الدولة

ليست موريتانيا دولةً نشأت في ظروف عادية، بل وُلدت من رحم صحراء قاسية، وفي سياق تاريخي اتسم بالمقاومة أكثر مما اتسم بالبناء. فقد كانت هذه الأرض، عبر عقود الاستعمار، ساحةً للمواجهة والصمود، لا ورشةً للاستثمار والتنمية؛ ولذلك خرجت إلى الاستقلال بإرثٍ من الكرامة أكثر مما خرجت ببنيةٍ تحتية أو مؤسسات جاهزة. ومن هنا، فإن قراءة مسار الرؤساء فيها تقتضي إنصاف السياق قبل إنصاف الأشخاص.
المختار ولد داداه: تأسيس الدولة في أرض لم تُمهَّد
مع المختار ولد داداه بدأت معركة من نوع آخر؛ معركة بناء الدولة من فراغ شبه كامل. لم تكن هناك إدارة حديثة، ولا اقتصاد قائم، بل مجتمع متماسك بقيمه، يحتاج إلى إطار سياسي يجمعه.
نجح الرجل، بحكمة المؤسس، في وضع الأسس الأولى للدولة، وتثبيت حضورها الدولي، وصياغة ملامح هوية وطنية جامعة. وكانت قراراته، في كثير من الأحيان، محكومة بضرورات التأسيس أكثر من ترف الاختيار.
معاوية ولد الطايع: تثبيت الكيان في محيط متقلب
ثم جاءت مرحلة معاوية ولد الطايع، حيث لم يعد التحدي هو إنشاء الدولة، بل حمايتها من الاهتزاز في بيئة إقليمية ودولية مضطربة.
شهدت هذه المرحلة محاولات جادة لتحديث الإدارة، وتوسيع البنية التحتية، وتعزيز حضور الدولة، مع الحرص على بقاء مؤسساتها قائمة في وجه التحولات. وقد كانت حسابات الاستقرار حاضرة بقوة، وهو خيار تفرضه طبيعة الدول الفتية أكثر مما تمليه الرغبات السياسية.
محمد ولد الشيخ الغزواني: رصانة الحكم ونضج المقاربة
أما مع محمد ولد الشيخ الغزواني، فإننا نكون أمام مرحلة يمكن وصفها – بقدر كبير من الاطمئنان – بأنها مرحلة ترسيخ الدولة الهادئة.
فما يميز هذه الحقبة ليس فقط استمرار البناء، بل تغيّر فلسفة الحكم نفسها؛ حيث برزت مقاربة تقوم على التهدئة، وبناء الثقة، وتغليب منطق التوازن بدل الحدة، وهو ما منح الحياة السياسية قدرًا معتبرًا من الاستقرار.
لقد اتجهت السياسات العامة في عهده إلى إعادة توجيه بوصلة الدولة نحو المواطن، عبر تعزيز البعد الاجتماعي، ودعم الفئات الهشة، وتوسيع دائرة الاستفادة من الخدمات الأساسية، في إدراك واضح بأن صلابة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على الرعاية والاحتواء.
كما برزت إرادة إصلاحية هادئة في تأهيل الإدارة العمومية، وتقريبها من المواطن، وإضفاء قدر أكبر من الانضباط والفعالية على أدائها، وهي خطوة مفصلية في مسار أي دولة تسعى إلى الانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة الجودة.
وعلى المستوى السياسي، نجح هذا النهج في خفض منسوب التوتر، وفتح المجال أمام خطاب أكثر اعتدالًا، مما أتاح توجيه الجهد الوطني نحو قضايا التنمية بدل الاستنزاف في صراعات جانبية.
إن هذه المقاربة، بما تتسم به من رصانة وهدوء وتدرج، تمنح الانطباع بأن الدولة دخلت مرحلة جديدة، لا تبحث فيها عن إثبات وجودها، بل عن تحسين صورتها ووظيفتها في آن واحد.
إنصاف واجب لبقية الرؤساء
وإذا كان المقام قد ركّز على محطات بعينها، فإن من الإنصاف التأكيد على أن بقية الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد لم يكونوا خارج هذا المسار، بل أسهم كل منهم – بقدر ما أتيح له من زمن وظرف – في ترسيخ لبنة من لبنات الدولة.
غير أن طبيعة المراحل الانتقالية، أو قصر الفترات، أو تعقيد السياقات، حالت دون إبراز كامل إنجازاتهم، رغم ما يمتلكونه من كفاءة علمية وخبرة مهنية، وهو ما يدعو إلى قراءة تجاربهم بروح التقدير لا التجاوز.
خاتمة
إن موريتانيا، التي خرجت من رحم الصحراء والمقاومة، لم تكن دولة سهلة البناء، لكنها استطاعت – عبر تعاقب قياداتها – أن تتحول من فكرة وطن إلى كيان مستقر.
واليوم، ومع ما تشهده من هدوء سياسي ومقاربة اجتماعية متقدمة نسبيًا، تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى ترسيخ نموذج دولة متوازنة، تجمع بين الاستقرار والرعاية، وبين الواقعية والطموح.

وهو مسار، إن استمر بنفس الحكمة، كفيل بأن يجعل من هذا البلد الذي لم يمنحه الاستعمار شيئًا، نموذجًا يُبنى بسواعد أبنائه، لا بإرث غيره.

 

ذ. السالك ولد اباه 

اثنين, 13/04/2026 - 10:52