
ذكرت العديد من الدراسات والأبحاث أن أعلي نسبة فقراء في العالم من المسلمين، ويعيش %37 مـن سكان العالم الإسلامي تحـت مستـوى خط الفقـر، أي ما يعادل 504 ملايين شخص تقريباً، وتبلغ نسبتهم إلى فقـراء العالم %39.
وللفقر أسباب كثيرة؛ منها الفساد الإداري وضعف التعليم وقلة الموارد الطبيعية، الصراعات والقتال والحروب الداخلية والخارجية التي تدمر الطاقات، وتستنزف الموارد، وتشرِد الشعوب.
وللفقر نتائج كارثية علي الشعوب منها؛ البطالة، والأمية والجهل، وتفكّك المجتمع، وزيادة نسبة السرقات والسطو لسد الاحتياجات حتى البسيطة منها، والإدمان على المخدرات وشرب الخمر.
ويولد الفقر المشاعر السلبية والاضطرابات النفسية كالتوتر الدائم، والقلق، والاكتئاب، والضيق، وزيادة الأمراض وعدم القدرة علي الإنتاج والعمل، مما يخلق مجتمع ضعيف غير قادر على التقدم ومواكبة التنمية المستدامة.
ويضع المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي في كتابه (الزكاة صدقة وقرض حسن) حلًا لمشكلة الفقر في العالم الإسلامي، حيث يقول المفكر الشرفاء الحمادي: لم تكن فريضة الزكاة التي شرعها الله في كتابه العزيز إلا منطقة التقاء بين الأغنياء والفقراء في عقد شراكة بين الفقير والغني، فيه يعطي من منحه الله المال لمن هو في أشد الحاجة إليه على اعتبار أن هذا المال هو مال الله، وقد جعل الله الأغنياء وسائط ووسائل لتوصيله لمستحقيه كما في قوله تعالى (..وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ ..) (النور 33)، فالزكاة في الخطاب الإلهي من هذا المدخل تكون طوقًا للنجاة من الفقر، حيث يعطي من معه لمن ليس عنده ما تقوم به حياته وتستقر، حين تكون الزكاة هي القاعدة الصلبة لقيام المجتمع القوي المتعافى من أمراض الحقد والتحاسد والضغينة فتسوده روح التكافل والتعاضد والتلاحم بين أفراده.
ولم تكن فريضه الزكاة تلك هي خصيصة أو حصرية لرساله الإسلام فحسب؛ بل إن الزكاة كانت فريضة رئيسية أيضًا فيما قبل رساله الإسلام كونها الضمانة الهامة والمحورية في بقاء الأمم سالمة آمنة متعافية من داء الفقر والعوز والضعف.
وأن الخطاب الإلهي في القرآن أضاف بُعدًا هامًا وملمحًا رئيسيًا في مقاصد الزكاة عند المسلمين؛ إذ جعل من الزكاة المدخل الآمن للحفاظ على الأوطان، حين يقوم المسلمون بتأديتها على وجهها الصحيح لا المغلوط المشوَّه المُغرض، مما يؤدي إلى نهوض المجتمعات واختفاء ظاهرتي الفقر والحرمان.
ويرى المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، أن من سوء طالع الأمة ما ابتُليت به من فقه وفقهاء صرف الأمة عن وجهتها في هذا الصدد؛ حين جعلوا نصاب الزكاة على النحو الذي فيه الزكاة كفريضه لا تقوم بما أراده الله لها، أن تقوم به في إشاعه روح التكافل الاجتماعي؛ حين قرروا نسبة الزكاة 2.5%، وجعلوها مقدسة لا مساس بها، وهي في الأصل نسبة غير صحيحة ولا هي عادلة، بل وليست تلك النسبة بالتي تؤدي الغرض المرجو من تلك الفريضة الإلهية.
ويوضح الشرفاء الحمادي أن الزكاة شراكة بين الفقير والغني للحفاظ على الأوطان وان نسبه 2.5% غير صحيحة؛ ذلك أن الزكاة ليست قضية معايير ونسب مالية أو كميات عينية، وإنما الزكاة جعلها الله فرضًا على كل مسلم لتحقيق الأمن الاجتماعي والاكتفاء الذاتي داخل المجتمعات، لسد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حيث يترتب على ذلك قيام مجتمع مسالم لا جائع فيه ولا سائل ولا مريض لا يجد الدواء.
وتأتي هنا الزكاة لتزكية مال الغني المقتدر وتطهره فيبارك الله له فيه ويضاعف له ما أنفق من صافي أرباحه ومكاسبه حسب النسبه المقررة في التشريع الإلهي؛ وهي 20% تمشيًا مع قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال: 41).
ويؤكد الكاتب والمفكر علي الشرفاء الحمادي، أن تلك النسبة التي قررها التشريع الإلهي وهي 20%، يتم استقطاعها وإنفاقها لصالح الزكاة تماشيًا مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ..) (267: البقرة).
وقد جعل الله فريضة الزكاة في تشريعه الإلهي الضمانة الحامية لروح التكافل الاجتماعي داخل الأوطان، حين أرادها فرضًا وعبادة، يأثم تاركها إن كان قادرًا على البذل، في حين أن الله سبحانه وتعالى قد أعفى الفقير من العطاء، فليس عليه من زكاة ما دام غير قادر.
ومن هنا يضع الشرفاء الحمادي حلًا لمشكلة الفقر في أنه يرى أن لفريضة الزكاة مكانًا محوريًا في الخطاب الإلهي حيث أنها السبيل لتكافل المجتمعات داخل الأوطان، واعتبرها الله شراكة بين الفقير والغني في المال، فالمال هو مال الله وهو من أعطاه للأغنياء بحكمه، وأمرهم بإعطاء نسبه للفقراء 20% من صافي أرباحهم غير مرتبط بمدة زمنية، بل كلما تحقق مكسب في أي وقت من الأوقات يتم استقطاع النسبة المقررة. وقد انطلق مفهوم الزكاة في الخطاب الإلهي من هذا البُعد الهام، ومفاده أن الله هو المالك الحقيقي للثروات والأموال.
ويؤكد المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي قائلًا: من هنا تتجلى لنا مقاصد هامة في رساله الإسلام أنه دين اجتماعي يدعو إلى الجماعية لا للفردية، ويحث على الترابط بين أفراد المجتمع المسلم حتى يتكون منهم مجتمع جماعي صالح، وفي هذا المجتمع ينشغل أفراده بأهداف جماعية تعود بالنفع والخير على المجتمع ككل، ومن أجل ذلك يضعون المصالح الجماعية للوطن وللأمة فوق المصالح الفردية.
هذه رؤية المفكر علي الشرفاء لتقليص عدد الفقراء في العالم الإسلامي.


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)