
يأتي استقبال رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني للمبعوث الخاص الاتحاد الإفريقي إلى مالي ومنطقة الساحل في توقيت بالغ الحساسية ليحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة في ظل تصاعد الهجمات المسلحة داخل الأراضي المالية، وما تفرزه من ارتدادات محتملة على دول الجوار.
فالظرف الإقليمي الراهن يتسم بتعقّد غير مسبوق، حيث تعاني مالي من تحديات مركبة تجمع بين الهشاشة السياسية والضغط الأمني الناتج عن نشاط الجماعات المسلحة، وهو ما يعيد طرح سؤال الاستقرار الإقليمي، وحدود قدرة الدول المحيطة على تحصين فضائها الوطني من تداعيات هذا الانفلات.
ومن هذا المنطلق، يكتسب لقاء نواكشوط بعدا استباقيا، يعكس إدراكا موريتانيّا مبكرا لخطورة المرحلة، وضرورة تنسيق الجهود الإقليمية والدولية قبل انتقال بؤر التوتر عبر الحدود.
وتُظهر المقاربة الأمنية الموريتانية، التي راكمت خبرة ميدانية معتبرة خلال العقد الأخير، نموذجا مختلفا في التعامل مع المخاطر العابرة للحدود.
فبدل الانخراط في ردود فعل ظرفية، اعتمدت نواكشوط استراتيجية وقائية قوامها الجمع بين اليقظة العسكرية، وتطوير القدرات الاستخباراتية، وضبط الحدود، إلى جانب مقاربة تنموية واجتماعية تهدف إلى تجفيف منابع التطرف.
هذه المعادلة المتوازنة مكّنت موريتانيا من البقاء خارج دائرة العنف، رغم وقوعها في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
كما يندرج اللقاء في سياق حرص موريتانيا على لعب دور فاعل ومسؤول داخل المنظومة الإفريقية، خصوصا في ما يتعلق بالملف المالي، الذي بات يمثل اختبارا حقيقيا لنجاعة العمل الإفريقي المشترك. فاستضافة مبعوث الاتحاد الإفريقي، وبحث تطورات الوضع، يترجمان إرادة سياسية لتقريب وجهات النظر، ودعم مسارات الاستقرار، بعيدا عن منطق الإقصاء أو الحلول العسكرية الصرفة.
وعليه، فإن دلالات هذا اللقاء لا تنفصل عن رؤية موريتانيا لأمنها القومي بوصفه جزءا لا يتجزأ من أمن محيطها الإقليمي. فكلما تعمّق الاضطراب في الجوار، تعاظمت الحاجة إلى تحصين الداخل، وهو ما يفسر تمسك نواكشوط بمقاربة متأنية تجمع بين الصرامة الأمنية والانخراط الدبلوماسي الفاعل.
وفي زمن تتشابك فيه الأزمات، يبدو هذا النهج كان أحد أهم عناصر صمود الدولة الموريتانية في وجه رياح الساحل العاتية.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)