بين الكفاءة والنزاهة… معادلة الإصلاح المؤجل

 

في كل حديث عن الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد، يطرح السؤال ذاته: لماذا تفشل محاربة الفساد رغم المجهودات التي تقوم بها الدولة؟
تكمن الإجابة، في جانب كبير منها، في اختلال التوازن بين الكفاءة والنزاهة داخل الجهاز الوظيفي، وفي الكيفية التي تدار بها مسارات الترقية والتحفيز وسلوك الموظفين في ظل المناخ العام المهني والاجتماعي السائد.
يمكن، من حيث التحليل، تصنيف كبار الموظفين إلى أربع فئات رئيسية، لكل منها أثر مختلف في مسار المؤسسات والدولة.

أولًا: الأكفاء النزهاء
وهي، للأسف، الفئة الأقل عددا وعدة مع أنها الأكثر عطاء. هؤلاء هم الذين يبنون ويطورون ويحققون النتائج، وهم الرأسمال الحقيقي لأي إدارة. غير أن المفارقة المؤلمة أن هذه الفئة غالبا ما تترك دون تقدير كاف، فلا تنال ما تستحقه من ترقية أو مكافأة أو تشجيع، رغم ما تبذله من جهد وإخلاص. وهي، في الحقيقة، أغلى ما تملكه الدولة، بل تفوق في قيمتها الموارد الطبيعية نفسها.
ومع مرور الوقت، وتحت ضغط الحاجة والمناخ الاجتماعي السائد، ومعاينة أصحاب هذه الفئة لصعود الأقل كفاءة و الأقل نزاهة، يبدأ كثير من أفرادها في التآكل المعنوي، وقد يضطر بعضهم إلى مغادرة هذه الدائرة القيمية، لا قناعة منه بل اضطرارا. فلا يبقى فيها في النهاية إلا قلة مدفوعة بضمير حي ووازع ديني راسخ وروح تضحية عالية.
ثانيا: الأكفاء غير النزهاء
وهي فئة معقدة، لأنها تساهم في الإنجازات والتنمية، لكنها في الوقت ذاته تنحرف عن قواعد النزاهة. ويمكن التمييز داخلها بين صنفين مختلفين تماما:
صنف يتلقى الرشاوى مقابل تقديم تسهيلات غير قانونية، كمنح صفقات مخالفة للإجراءات المعمول بها أو التغاضي عن تنفيذها وفق المعايير المطلوبة، وهو سلوك مرفوض جملة وتفصيلا ويضر بالتنمية وهو فساد مكتمل الأركان.
أما الصنف الآخر فإنه  يتلقى عمولات أو اكرامات من رجال أعمال حصلوا على صفقات بشكل قانوني وشفاف ونفذوها وفق المعايير المطلوبة. هذه الظاهرة موجودة حتى في بعض الدول المتقدمة، ويبررها البعض بكون المصلحة العامة لم تتضرر. غير أن هذا التبرير، وإن فسر الظاهرة، لا يبررها، بل يفتح الباب لتطبيع الفساد ولو في صورة ناعمة. ومع ذلك، يظل هذا الصنف أقل ضررا من سابقه بكثير، لكنه يظل إشكالا أخلاقيا ومؤسسيا قائما يجب النظر فيه. يبدو أن بعض الدول الغربية كانت تغض الطرف عن مثل هذه التصرفات وتتسامح معها لعدم تأثيرها المباشر على الأداء لكنهم انتهوا إلى تحريمها لأنهم لاحظوا أن المقاولين دأبوا على احتساب هذه العملات مسبقا في عروضهم المالية.

ثالثا: النزهاء ضعيفو الكفاءة
تمثل هذه الفئة إشكالية من نوع مختلف، إذ إن النزاهة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حسن الأداء. فضعف الكفاءة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تتسبب الأخطاء وسوء التقدير والتسيير في إهدار الموارد وتعطيل المصالح. ومن هذه الزاوية، قد يكون الضرر الناجم عن ضعف الكفاءة، في بعض الحالات، أشد من ضرر فساد الرشوة، لأنه يمر دون مساءلة كافية، استنادا إلى حسن نية صاحبه واحترامه للمساطر.
رابعا: غير الأكفاء وغير النزهاء
وهي الفئة الأخطر على الإطلاق؛ فهي لا تنتج قيمة، بل تستنزفها. وتتفوق، بمفارقة لافتة، في التكيف مع البيئات المختلة، حيث تجد في الولاء الشخصي وتبادل المصالح طريقا سالكا للترقي والتمكين والثراء. ومع مرور الوقت، تتحول بحكم كثرتها إلى قوة معيقة لأي إصلاح، لأنها تستفيد من استمرار الوضع القائم.
وعليه فإن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في وجود هذه الفئات من الموارد البشرية، بل في اختلال ميزان المكافأة والعقوبة داخل المنظومة. فعندما لا تشجع الكفاءة المقترنة بالنزاهة، ولا تعاقب الانحرافات بوضوح، يصبح الانزلاق نحو الخيارات الأسهل أمرا متوقعا. وهنا، لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي، بل يتحول إلى نتيجة شبه طبيعية لنظام لا ينصف الأفضل، ويفتح باب التألق أمام الأسوء.
فالإصلاح، كما هو معلوم، لا ينجح بالشعارات، بل بإعادة بناء منظومة التقييم والتحفيز على أسس واضحة: ترقية مستحقة، مساءلة فعلية، حماية للنزهاء، وتجفيف منابع الامتياز غير المشروع. كما يقتضي الاستثمار الجاد في تطوير الكفاءات، حتى لا تتحول النزاهة إلى غطاء لضعف الأداء.
ومن اللافت أن أجهزة التفتيش لا تحمل الموظفين المسؤولية عن ضعف النتائج أو تدهور الخدمات أو تلف المعدات أو سوء الخيارات، ما دام المسؤول قد التزم بالمساطر القانونية، وهو ما يكرس عقلية مفادها: "ما دمت في مأمن من المسائلة، فلا بأس بالمآلات الأخرى". وهذه إشكالية حقيقية منتشرة تستدعي مراجعة عميقة، بحيث يجب أن يتعرص المسؤول لعقوبات جنائية عن النتائج السلبية في المهام الموكلة إليه بسبب عدم اتخاذ التدابير اللازمة لتفاديها أو نتيجة لخيارات سيئة تبناها وله في المقابل أن يطلب الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف المسندة إليه.
إن تأجيل تحقيق التوازن بين الكفاءة والنزاهة في إطار مكافحة الفساد ليس ترفا أخلاقيا أو مهنيا، بل شرطا جوهريا لبناء مؤسسات قادرة على الصمود والنجاح والتطور. وكل تأخير في معالجة هذا الخلل ليس إلا فتحا للمجال لكلفة متزايدة يدفعها الوطن والمواطنون.
دحان الطالب عثمان

خميس, 30/04/2026 - 18:43