
في سياق التحولات التي تشهدها موريتانيا على مستوى الحكامة الديمقراطية وتكريس دولة المؤسسات، برز ملف الصحافة باعتباره أحد العناوين البارزة في أجندة الإصلاح التي يقودها نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. فقد انتقل التعاطي مع الحقل الإعلامي، خلال السنوات الأخيرة، من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية إصلاحية تسعى إلى تمهين الصحافة وتعزيز استقلاليتها وضمان استدامتها.
وتمثلت الخطوة المؤسسة في هذا المسار في تشكيل لجنة وطنية لإعداد تقرير شامل حول واقع الصحافة الوطنية واحتياجاتها، في سابقة عكست قناعة رسمية بأن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم دون تشخيص علمي وواقعي للاختلالات البنيوية التي يعاني منها القطاع. وقد ضمّت اللجنة مهنيين وخبراء، واشتغلت على رصد الإشكالات المرتبطة بالإطار القانوني، والوضعية الاجتماعية للصحفيين، وضعف الموارد، وإشكالات التكوين والتمهين.
وقد تُوّج استلام رئيس الجمهورية لهذا التقرير بإصدار تعليمات واضحة لتنفيذ مخرجاته، وهو ما نقل الملف من دائرة التوصيات إلى خانة القرار السياسي الملزم، وأعطى إشارة قوية على جدية الإرادة الإصلاحية في هذا المجال.
ومن أبرز المؤشرات العملية على هذا التوجه، الزيادة الملموسة في موارد صندوق دعم الصحافة المستقلة، بما مكّن المؤسسات الإعلامية من هامش تنفس مالي، وساعدها على مواجهة تحديات الاستمرارية في ظل سوق إعلاني محدود.
هذه الخطوة حملت دلالات واضحة على أن الدولة باتت تنظر إلى دعم الصحافة كاستثمار في الديمقراطية وحق المواطن في المعلومة.
وشكل الشروع الجدي في إصدار البطاقة الصحفية المهنية محطة مفصلية في مسار التمهين، إذ أسهم في التمييز بين الصحافة كمهنة قائمة على المعايير والالتزامات، وبين الممارسة العشوائية.
وقد مكّن هذا الإجراء من إعادة الاعتبار للصحفي المهني، وربط الولوج إلى الامتيازات والدعم بالالتزام بأخلاقيات المهنة والتكوين والخبرة.
ولم تتوقف جهود النظام عند هذه الإجراءات، بل شملت مسارا أوسع، من تحسين الإطار القانوني المنظم للعمل الصحفي، إلى فتح قنوات التشاور مع الهيئات المهنية، وتشجيع التكوين المستمر، وتعزيز حرية النفاذ إلى المعلومة. وهي خطوات، وإن تفاوتت وتيرتها، فإنها تصب جميعا في اتجاه واحد هو بناء صحافة مهنية ومسؤولة وقادرة على أداء دورها الرقابي والتنويري.
اللافت في مقاربة نظام الرئيس الغزواني أنها سعت إلى الموازنة بين الدعم العمومي والاستقلالية التحريرية، عبر اعتماد آليات مؤسسية ومعايير واضحة، بدل التدخل المباشر في الخط التحريري. وهو ما جعل الدعم يُقرأ، في مجمله، كرافعة للتمهين لا كأداة للوصاية.
ويمكن القول إن ما تحقق في مجال دعم الصحافة وتمهينها خلال حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يمثل تحولا نوعيا في نظرة الدولة إلى الإعلام، من كونه عبئا أو خصما إلى شريك في البناء الديمقراطي.
ورغم أن الطريق ما يزال طويلا، فإن ما أُنجز حتى الآن يضع أسسا صلبة لصحافة أكثر مهنية، وأكثر استقلالا، وأكثر قدرة على مواكبة تطوّر وتطلعات المجتمع.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)