
عكس النشاط الدبلوماسي الأخير لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تحوّلا لافتا في مقاربة موريتانيا للعلاقات الخارجية، قوامه الانتقال من دبلوماسية التمثيل السياسي إلى دبلوماسية المبادرة الاقتصادية وبناء الشراكات ذات الأثر التنموي المباشر. فالمشاركة في منتديين قاريين بارزين خلال فترة زمنية متقاربة تعد مؤشرا على تموضع محسوب داخل فضاءات التأثير الإفريقي الجديدة.
لقد شكّلت مشاركة الرئيس في Africa CEO Forum 2026 المنعقد في كيغالي مناسبة للانخراط المباشر مع قادة كبريات الشركات الإفريقية والدولية، في وقت بات فيه القطاع الخاص فاعلا مركزيا في صياغة مسارات التنمية.
ويعكس اختيار هذا المنتدى تحديدا إدراكا رسميا بأن جذب الاستثمار لا يتحقق بالخطاب وحده، بل بالحضور في المنصات التي تُصاغ فيها قرارات التمويل، وتُبنى فيها شبكات المصالح العابرة للحدود. وفي هذا السياق، سعت موريتانيا إلى تقديم نفسها كوجهة استثمارية مستقرة، غنية بالفرص في مجالات الطاقة، والمعادن، والبنية التحتية، والزراعة.
أما المشاركة في Africa Forward Summit 2026 في نيروبي، فتنتمي إلى بُعد آخر مكمل، يتمثل في التفكير الاستراتيجي الجماعي حول مستقبل القارة. هذه القمة لا تركز فقط على الأرقام والمؤشرات، بل على الرؤى بعيدة المدى، وهو ما ينسجم مع خطاب موريتانيا الساعي إلى تثبيت موقعها كدولة تتطلع إلى الاندماج الإيجابي في التحولات الإفريقية الكبرى، سواء على مستوى الاقتصاد الأخضر أو التحول الرقمي أو الأمن الغذائي.
وتكمن أهمية اللقاءات الثنائية التي أجراها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على هامش القمتين في كونها أعادت تعريف العلاقة مع الشركاء الأفارقة والدوليين من منطق التعاون التقليدي إلى منطق الشراكة المتوازنة. فبدل الاكتفاء بطلب الدعم، تَقدّم موريتانيا نفسها اليوم باعتبارها شريكا قادرا على توفير فرص حقيقية للاستثمار المشترك، مستفيدة من موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، وانفتاحها المتزايد على الإصلاحات الاقتصادية.
أما سياسيا، فيحمل هذا الحراك الدبلوماسي رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا لم تعد على هامش الفعل الإفريقي، بل تسعى إلى تثبيت حضورها في دوائر القرار الاقتصادي الإقليمي. كما يعكس رغبة في تنويع الشراكات، وعدم الارتهان لمحاور محددة، وهو ما يمنح السياسة الخارجية مرونة أكبر في مواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة عودة رئيس الجمهورية من كيغالي ونيروبي بمعزل عن سياق أوسع عنوانه دبلوماسية التنمية. فهذه المشاركات، بما رافقها من لقاءات ومباحثات، تؤشر إلى انتقال موريتانيا من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، ومن خطاب الوعود إلى لغة الفرص، في مسعى لإعادة صياغة صورتها الخارجية وربطها مباشرة بأجندة النمو والاستثمار المستدام.
وكالة الوئام الوطني للأنباء



.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)