خلال أقل من سنتين… نواكشوط تتغير والأرقام تتحدث

ليست العواصم الحديثة تلك التي تُبنى بالشعارات، ولا تلك التي تُقاس بالانطباعات السريعة أو النظرات المحدودة، وإنما هي حصيلة أرقام ومشاريع ووقائع ميدانية يلمسها المواطن في حياته اليومية. ولذلك، حين يكون الحديث عن نواكشوط اليوم، فإن لغة الأرقام تبقى أصدق من أي توصيف آخر، لأن الأرقام لا تجامل ولا تكذب.

1 ـ الطرق والبنية التحتية

في أقل من سنتين ، شهدت العاصمة أكبر توسعة حضرية في تاريخها الحديث، حيث تم تشييد 138 كيلومترا من الطرق المعبدة داخل نواكشوط، تشمل الطريق الدائري بطول 52 كلم، وطريق المطار بطول 17 كلم، إضافة إلى شبكات طرقية داخل مختلف المقاطعات والأحياء التي ظلت لعقود تعاني العزلة والرمال وصعوبة النفاذ.
واليوم، يكفي المرور من محور المطار نحو وسط المدينة، أو عبر طريق أكجوجت، لملاحظة الفرق الواضح في اتساع الطرق، والإنارة الحديثة، والتشجير، وإعادة تنظيم الفضاء الحضري وفق معايير أكثر عصرية وانسيابية.

2 ـ الماء… من أزمة موسمية إلى معالجة جذرية
من أخطر الأزمات التي كانت تواجه سكان العاصمة كل موسم خريف، أزمة الطمي القادمة عبر مياه آفطوط الساحلي، حيث كانت مياه النهر تمتلئ بالأوحال خلال موسم الأمطار، ما يؤدي إلى عجز محطات التصفية عن المعالجة بالكفاءة المطلوبة، فتتراجع نسبة الإنتاج إلى مستويات خطيرة، وتدخل العاصمة في شبه انقطاع للمياه.
هذا المشكل الذي لازم نواكشوط سنوات طويلة، تمت معالجته هذه المرة بطريقة جذرية، عبر إنشاء وتجهيز محطات خاصة لمعالجة الطمي ورفع قدرات التصفية والإنتاج، بالتوازي مع تقوية الشبكات وتوسعة التوزيع.
وربما لا يرى البعض هذه المنشآت بالعين المجردة مثل الطرق والبنايات، لكنها من أعظم المشاريع أثرا، لأنها تتعلق بالماء؛ أي بالحياة نفسها.

3 ـ الكهرباء… نهاية سنوات الظلام الطويلة
لسنوات طويلة، كان انقطاع الكهرباء لساعات متواصلة أمرا عاديا في نواكشوط، بل كانت بعض الأحياء تقضي يوما كاملا دون كهرباء. أما اليوم، فرغم وجود انقطاعات متفرقة أحيانا، فإن الفارق أصبح واضحا بين أزمة مزمنة كانت تخنق العاصمة، وبين وضع تحسن بشكل كبير بفعل توسعة المحطات وتقوية الشبكات وزيادة الإنتاج.
وقد شهدت المنظومة الكهربائية توسعة مهمة للمحطة الشمالية بـ72 ميغاوات إضافية، إلى جانب تحديث شبكات الربط والإنارة العمومية في عدة محاور رئيسية.

4 ـ التعليم والصحة والإدارة
الأرقام هنا أيضا تتحدث بوضوح؛ فقد تم بناء وترميم 1500 حجرة دراسية، وتجهيز 28 مركزا صحيا، إضافة إلى إنشاء المعهد العالي للتجارة، وبناء المدرسة الوطنية للإدارة، وترميم عدد معتبر من المباني الحكومية التي ظلت لسنوات في وضع لا يليق بعاصمة دولة.
وهذه المشاريع لا تعني مجرد إسمنت وحديد، بل تعني استثمارا مباشرا في الإنسان وفي صورة الدولة ومؤسساتها.

5 ـ الشباب والرياضة… مشاريع كانت حلما بالأمس
لأول مرة في تاريخ البلاد، يتم إنشاء مسبح أولمبي، إلى جانب ملاعب متعددة التخصصات في السبخة والميناء، وقاعة رياضية مغطاة تتسع لمئات المتفرجين، فضلا عن تعزيز النقل العمومي بحافلات حديثة ومكيفة تخدم مختلف فئات المجتمع، خاصة أصحاب الدخل المحدود.

6 ـ التشجير والتجميل الحضري
تشهد العاصمة اليوم عمليات تشجير واسعة وغرس آلاف الأشجار على المحاور الطرقية الكبرى، وهي مشاريع قد لا تظهر نتائجها الكاملة في أشهر قليلة، لكنها تعكس رؤية حضرية جديدة تدرك أن المدن لا تُبنى بالإسمنت فقط، بل بالجمال والبيئة والتنظيم أيضا.
إنصاف الوطن يبدأ بإنصاف الحقيقة، والحقيقة أن نواكشوط ما تزال بحاجة إلى المزيد، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لعاصمة تنمو بهذا الشكل المتسارع، لكن من غير الإنصاف أيضا تجاهل حجم التحولات التي تحققت خلال فترة وجيزة، أو اختزالها في أحكام انطباعية لا تصمد أمام لغة الأرقام والوقائع.

وقديما قيل:
“عين الرضا عن كل عيب كليلةٌ…
ولكن عين السخط تبدي المساويا”.

ومن يريد أن يفرق بين صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وبين الحكومة التي عينها وكلفها بتنفيذ مشروعه الطموح للوطن، فهو واهم؛ لأن هذه الإنجازات ما كانت لتتحقق لولا وجود رؤية واضحة، ومتابعة دقيقة، وإرادة سياسية جعلت من خدمة المواطن أولوية وطنية حقيقة.
المصطفى الشيخ محمد فاضل

جمعة, 15/05/2026 - 15:41