
صدمني رفيقي ودفعتي المقدم المتقاعد سيدي ولد بلال خلال الأشهر الأخيرة مرتين..
في المرة الأولى ظهر دون سابق إنذار مع مجموعة من العنصريين الانفصاليين اجلسوه بينهم في كندا ليدفع لهم بالتهجم على موريتانيا الحبيبة ووصفها بأبشع الصفات التي يعرف أنها كذب وافتراء، ولا شك عندي أنه متندم ومتأكد في قرارة نفسه أن ما أقدم عليه تصرف مشين لا يليق بضابط خدم بلاده لمدة طويلة منها سنتان (1990-1991) قضاهما على الحدود مع السنغال، قائدا لوحدة تدافع عن الوطن وتتصدى لعصابات مسلحة من العنصريين الانفصاليين الذين استقدموه إلى كندا اعتمادا على علاقتهم بالمنظمات الصهيونية، لاذكاء الفتنة في البلاد..
كما صدمني اليوم ، بصوتيته المقززة التي بثها على وسائل التواصل الاجتماعي، يحض فيها على الكراهية والفتنة والشرائحية الهدامة، ويقول إنه 'شاهد عيان" على ظلم لحراطين وخاصة في المؤسسة العسكرية والأمنية..
وعلى كل حال أظنني أكثر الناس معرفة بالمقدم سيدي ولد بلال فهو دفعتي ورفيق دربي، وساعرض على القراء الأعزاء جوانب من سيرتنا، لأخذ العبرة وليحكموا بعد الإطلاع عليها هل كان يوجد فرق يؤشر لوجود تمييز عنصري على مستوى المؤسسات العمومية في الوطن الموريتاني، بين سيدي ولد بلال (حرطاني من ايدوعل) وأحمد سالم ولد لكبيد (أمرابط من تندغه جده العلامة محمذفال ولد متالي)..
درست أنا وسيدي في المدرسة الإبتدائية رقم 1 بالعاصمة (مدرسة العدالة) بين 1973 و 1976..
كان قسمنا يجمع كل مكونات الشعب الموريتاني، وقد قضينا تلك السنوات الجميلة من طفولتنا ونحن إخوة وأحباب نجلس على نفس المقاعد ونتلقى نفس الدراسة، لا فضل لأحدنا على الآخر إلا بالمعرفة والسلوك..
وأذكر أنني كنت دائما آتي في الامتحانات أنا هو الأول وتحل في المرتبة الثانية منافستي القوية سكينه بنت محمد ( أصبحت حرم الوزير اسغير ولد امبارك )، ويحل ثالثا الدكتور ألفا انداو، وبسبب ظروف خاصة رحلت أنا عنهم في سنة 1976..
وسيجمعني الله من جديد بسيدي ولد بلال في سنة 1987، عندما ترشحت أنا وهو لمسابقة اكتتاب ضباط من الحرس الوطني في تلك السنة ونجحنا فيها، وقضينا معا سنتين بالمدرسة العسكرية لمختلف الأسلحة في اطار، مع أفراد دفعتنا الحادية عشرة التي تضم مختلف مكونات الشعب الموريتاني، وكنا إخوة وأحبابا كما كنا في المدرسة الإبتدائية، لا فرق بيننا إلا بالتميز الدراسي والسلوك..
وبعد تخرجنا قضينا نيفا وثلاثين سنة في الخدمة، تولى خلالها سيدي ولد بلال قيادة تجمعات جهوية هامة للحرس الوطني، كما تم تعيينه مديرا مركزيا بقيادة الأركان وظل يشغل الوظائف الهامة حتى تقاعد.
أما أنا فلم أشغل طيلة خدمتي الا وظيفة مساعد قائد تجمع أو رئيس مصلحة، رغم أنني معلم ثم أستاذ سابق، وحاصل على المتريز وعندي بعض المنجزات..
فيا ليت شعري اينا أنا وسيدي ولد بلال, الذي يقول إنه عانى من الظلم والتهميش، كان أفضل حالا..؟!
يعرف سيدي في قرارة نفسه كما يعرف كل موريتاني أن الإكتتابات والتقدمات على المستوى المدني والعسكري، تتم عن طريق مسابقات مفتوحة أمام الجميع وبنفس الشروط..
وعندما صرت أنا وهو في نهاية مشوارنا العسكري، شاركنا في مسابقة لنيل شهادة في الدراسات العسكرية العليا، وكان أول نجاح فيها على مستوى الحرس الوطني، أحرزه بكفاءته دفعتنا واخينا الشيخ ولد امعييف (قائد أركان الحرس الوطني المساعد حاليا)، وبعد سنتين كان النجاح الثاني للحرس الوطني من نصيبي أنا، ولم ينجح مع الأسف سيدي ولد بلال في المسابقة، التي تعتبر شرطا لا بد منه للحصول على رتبة عقيد، ولكنه مع ذلك ذلك، ظل يكلف بالوظائف الهامة على مستوى القطاع، رغم ارتكابه أحيانا لأخطاء لا تغتفر..
وعندما تقاعد سلمه القطاع مبلغ سبعة ملايين أوقية قديمة للاندماج في الحياة المدنية، وما فتئ بعد ذلك يكلف ببعض المهام المدرة والتي لم أحظ أنا بها..
كم يروعني أن أرى اليوم رفيقي وأخي المقدم سيدي ولد بلال الضابط الهادئ قليل الكلام، وقد أصبح بوقا يمرر عبره أعداء الوطن خطاب الكراهية والفتنة، رغم قسمه اليمين المغلظ على الوفاء للوطن، ورغم أنه ضابط سام ، فالضابط يظل ضابطا ولو بعد التقاعد، ورغم كونه من بيت يتميز بالدين والأخلاق، فلا حد لطيبة والدته واخواله واريحيتهم، ولطيبة وشرف أخته خديجة بنت بلال التي درست معنا في المرحلة الابتدائية التي ذكرتها..
ووالله ما ادري (وإني لحاسب) كيف حصل هذا التغيير الدراماتيكي في نهج سيدي ولد بلال وسلوكه عندما صار في الغرب، حتي يصدر منه هذا الكلام البذيء والهدام والذي يجرمه القانون، ولو كان في موريتانيا لتم سجنه، فكلامه هذا جريمة في حق الوطن، حيث أنه يستهدف وحدة الشعب والانسجام الإجتماعي في البلاد ويحرض على الكراهية التي تقود إلى الحرب الأهلية..
وخطابه هذا مع بالغ الاسف، هو نفس الخطاب الذي كان يستخدمه العنصريون الهوتو في رواندا في إذاعة La Radio des Mille Collines لإبادة التوتسي، وبالمناسبة كانوا يصفونهم بالحشرات، وهي نفس الكلمة (بودوات) التي استخدمتها السيدات اللواتي ذكر في صوتيه، وكان دافعهن في ذلك التنقيص من أفراد مكونة إجتماعية والتحريض عليهم، وسيتبين ذلك جليا خلال بثوثهن المباشرة على الفيسبوك والتي كانت سبب توقيفهن والحكم عليهن من طرف القضاء..
وعلى كل حال، أن يتكسب المرء فتلك طبيعة الأمور، وإن كان معلمنا الأول رسولنا صلى اللّه عليه وسلم، أوصانا بالإجمال في الطلب..
ولكن أن يتكسب المرء بما لا يرضي الله ورسوله وعلى حساب أمن الوطن واستقراره وصب الزيت على النار، فذلك لا يمكن فهمه على الإطلاق، لاسيما إذا كان الفاعل قد تربى على أخلاق الضابطية الشريفة وفي بيت دين وأخلاق..
إن حب الوطن، مهما كانت حاجتنا ومهما كان ما نحن عليه، ينبغي أن يكون سدا يمنعنا من الانزلاق إلى ما لا نريد الانزلاق إليه..
وفي الختام ابشر هؤلاء أنه لن يكون الحرطاني إلا بيظانيا أبدا..
ولن يكون البيظاني إلا حرطانيا أبدا..
فتلك أسماء لا أساس لها إلا في خطاب من اعمته محنته أو حاجته، وقديما قال الشاعر:
يغمى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن..
العقيد المتقاعد احمد سالم ولد لكبيد


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)