حدث وتعليق/ ماكي صال مرشحا لخلافة غوتيريش.. إفريقيا تبحث عن صوتها في قلب النظام الدولي

في خطوة تحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، قدّم الاتحاد الإفريقي رسميا ملف ترشيح الرئيس السنغالي السابق ماكي صال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، خلفًا للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش. ترشيحٌ لا يقتصر على اسم بعينه، بقدر ما يعكس تحوّلا في الوعي الإفريقي بأهمية الحضور في مراكز القرار العالمي، وسعيا جماعيا إلى كسر نمط التهميش التاريخي للقارة داخل منظومة الحوكمة الدولية.

ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو أن الترشيح قُدِّم باسم القارة، عبر الاتحادالإفريقي، وتحديدًا من جمهورية بوروندي التي تتولى رئاسة الاتحاد حاليا.

هذا المعطى يمنح الملف بعدا سياسيا مضاعفا، إذ لا يبدو الأمر مبادرة وطنية سنغالية بقدر ما هو رهان إفريقي جماعي على شخصية وُصفت بأنها قادرة على “إيصال صوت إفريقيا داخل المحافل الدولية”، كما جاء على لسان مصدر مقرب من صال.

ويحمل الرئيس السنغالي السابق إلى هذا السباق رصيدا سياسيا معتبرا، تراكم خلال أكثر من عقد في الحكم، ثم تعزّز خلال توليه رئاسة الاتحاد الإفريقي بين عامي 2022 و2023. في تلك الفترة، برز صال كأحد الأصوات الإفريقية الأكثر حضورا في النقاشات الدولية حول قضايا الديون، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، وإصلاح النظام المالي العالمي.

هذا المسار يمنحه صورة رجل الدولة الذي يجمع بين الشرعية الانتخابية السابقة والخبرة الدبلوماسية متعددة الأطراف، وهي صفات غالبا ما تُعدّ حاسمة في اختيار الأمناء العامين للأمم المتحدة.

لكن، وعلى الرغم من الزخم الإفريقي، فإن الطريق إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة يظل محفوفا بتعقيدات جيوسياسية كبيرة. فالمنصب، وإن كان يُحسم شكليا داخل الجمعية العامة، إلا أن الكلمة الفصل فيه تبقى لمجلس الأمن وتوازنات القوى الكبرى. ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع إفريقيا، عبر مرشحها، فرض منطق التناوب الجغرافي والعدالة التمثيلية، أم أن الحسابات الدولية ستعيد إنتاج معادلة الهيمنة التقليدية؟

ويتجاوز ترشيح ماكي صال البعد الشخصي ليعكس مرحلة جديدة في السلوك السياسي الإفريقي، قوامها الانتقال من موقع المطالِب إلى موقع المبادر. فالقارة، التي تمثل أكثر من ربع أعضاء الأمم المتحدة، لم يسبق لها أن حظيت بأمين عام من أبنائها، باستثناء كوفي عنان الغاني الأصل، رغم كونها إحدى أكثر مناطق العالم تفاعلا مع قرارات المنظمة وبرامجها.

ويشكل ترشيح ماكي صال اختبارا مزدوجا، لإفريقيا في قدرتها على توحيد صفوفها خلف مشروع دبلوماسي طموح، وللنظام الدولي في مدى استعداده للاعتراف بثقل القارة ودورها المتنامي. وبين هذين الاختبارين، يبقى السباق مفتوحا على كل الاحتمالات، لكن المؤكد أن إفريقيا هذه المرة قررت أن تطرق باب القيادة الأممية بثقة أعلى وبصوت أكثر وضوحا.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

ثلاثاء, 03/03/2026 - 03:22