حدث وتعليق/ إفطار الرئيس مع الأسرة التعليمية.. المدرّس في قلب الإصلاح التربوي

في لحظة رمزية اختار لها توقيتا يحمل دلالات اجتماعية وروحية، وجّه رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، رسائل سياسية وتربوية واضحة خلال إفطار نظمه على شرف الأسرة التربوية.

لقد بدا اللقاء أقرب إلى إعلان موقف صريح من طبيعة الإصلاح الذي تحتاجه المنظومة التعليمية في موريتانيا، حيث أكد الرئيس أن الإصلاح يبدأ من المدرس قبل أي شيء آخر، مشيرا إلى أن أي إصلاح تعليمي لن يحقق أهدافه ما لم يكن المدرس في صدارة الاهتمام، ومشددا على أن وجود مدرس مؤهل ومؤمن برسالته يشكل الركيزة الأساسية لنجاح العملية التربوية.

هذه الفكرة، على بساطتها الظاهرية، تختزل نقاشا عميقا ظل حاضرا في أدبيات الإصلاح التربوي عبر العالم، ويدور حول السؤال: هل يمكن تطوير التعليم عبر المناهج والبنى التحتية فقط، أم أن الإنسان الذي يقف أمام السبورة يظل العامل الحاسم في كل المعادلة؟.

تشير تصريحات الرئيس إلى إدراك متزايد لدى صناع القرار بأن الاستثمار في التعليم لا يقاس فقط بحجم المدارس المشيدة أو المناهج المحدثة، بل بمدى قدرة النظام التعليمي على استقطاب مدرسين مؤهلين ومتحمسين لمهنتهم.

فالتجارب الدولية في إصلاح التعليم أظهرت أن العنصر البشري هو المحدد الأكبر لنجاح أي تحول تربوي. ويمكن لمنظومة تعليمية أن تمتلك أفضل البرامج والمناهج، لكن غياب المدرس المؤهل أو ضعف الحافز المهني لديه كفيل بإفراغ تلك الإصلاحات من مضمونها.

ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي حملتها كلمة الرئيس، حين ربط بين فعالية الإصلاحات التعليمية وبين توفر الكفاءات التربوية القادرة على أداء مهامها بحماس واقتناع.

ولم تقتصر رسائل الرئيس على الجانب النظري المرتبط بأهمية المدرس، بل تضمنت أيضا اعترافا صريحا بالتحديات المهنية التي تواجه الأسرة التربوية، سواء تعلق الأمر بالظروف المادية أو بالمسار المهني.

ويحمل هذا الاعتراف دلالتين أساسيتين:

أولاهما الإقرار بأن أزمة التعليم ليست مجرد أزمة مناهج أو تنظيم إداري، بل هي أيضا أزمة ظروف عمل قد تؤثر في أداء المدرس ودافعيته.

أما الدلالة الثانية فتتعلق بفتح أفق سياسي لمعالجة هذه التحديات، من خلال تأكيد الرئيس على أن تحسين الأوضاع المادية والمهنية للمدرسين يظل أولوية لدى السلطات العمومية، وأن أي هوامش مالية قد تتوفر في الميزانية سيتم توجيهها لتحسين ظروف الموظفين، مع عناية خاصة بقطاع التعليم.

وتعتمد رؤية الرئيس الغزواني 

للإصلاح التعليمي على سياسات متكاملة تشمل التكوين المستمر، وتحسين الأجور، وتعزيز مكانة المدرس داخل المجتمع، إضافة إلى توفير بيئة عمل مناسبة داخل المدارس.

ويعكس حضور الرئيس شخصيا لإفطار الأسرة التربوية رغبة في ترسيخ التعليم كأولوية استراتيجية في السياسات العمومية.

فالدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كبرى كانت البداية فيها من المدرسة، ومن إعادة الاعتبار للمدرس بوصفه صانع العقول ومهندس المستقبل.

ولهذا فإن وصف الرئيس للمدرسين بـ”حاملي الطبشور” وصناع الأجيال ليس مجرد تعبير بلاغي، بل تأكيد على الدور المركزي الذي تلعبه المدرسة في تشكيل المجتمع وإعداد الأجيال القادرة على قيادة التنمية.

وتكشف تصريحات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عن رؤية واضحة تعتبر أن إصلاح التعليم يبدأ من إعادة الاعتبار للمدرس، ماديا ومعنويا ومهنيا، وهو ما يتطلب تضافر السياسات والموارد والإرادة المجتمعية.

فإذا نجحت الحكومة في جعل المدرّس في قلب الإصلاح التربوي، كما دعا إلى ذلك الرئيس، فإنها تكون قد وضعت قدمها بالفعل على الطريق الصحيح نحو بناء مدرسة قادرة على إعداد أجيال تحمل مشروع التنمية وتواصل مسيرة بناء الدولة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

جمعة, 06/03/2026 - 02:28