
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها حساسية وتعقيدا منذ عقود، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم الطابع العسكري المباشر لهذه الحرب، فإن القراءة الاستراتيجية لمسارها تشير إلى حقيقة شبه متفق عليها لدى كثير من المراقبين ومراكز الدراسات، تفيد بأنه لا أحد من أطرافها سيخرج رابحا بصورة حاسمة.
فهذه الحرب، في جوهرها، تبدو أقرب إلى حرب استنزاف واسعة ستعيد توزيع موازين القوة، أكثر مما ستمنح نصرا نهائيا لطرف بعينه.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه المواجهة لا تكمن فقط في أطرافها المباشرين، بل في السياق الإقليمي الأوسع الذي اندلعت فيه. فبينما تنشغل القوى الكبرى والإقليمية بميدان صراع مفتوح، تبقى جبهة أخرى في قلب المشهد.. جبهة قطاع غزة، التي ما تزال تمثل بؤرة الصراع الأكثر حساسية وتأثيرا في مستقبل المنطقة.
فخلال السنوات الأخيرة، تحولت غزة إلى رمز مركزي للمقاومة الفلسطينية، خصوصا بعد عملية طوفان الأقصى التي شكلت نقطة تحول في الصراع مع إسرائيل.
ففي ظل الظروف الإقليمية الراهنة، يبدو أن أي انتصار كبير للمقاومة في غزة لن يكون حدثا فلسطينيا خالصا، بل سيتحول إلى عامل يعيد تشكيل التوازنات السياسية والطائفية في المنطقة.
فلو أن المقاومة في غزة انتصرت في هذه اللحظة التاريخية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام صراع سرديات داخل العالم الإسلامي.. معسكر شيعي قد يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب الدور الحاسم في دحر إسرائيل، وفي مقابل دول سنية قد ترى في ذلك تحولا استراتيجيا يهدد توازنات القوة الإقليمية. وفي هذه الحالة، قد تجد فصائل المقاومة الفلسطينية نفسها في موقف بالغ التعقيد، بين رفض الاصطفاف مع أطراف خذلتها في مراحل سابقة، وبين الحذر من الانجرار وراء أجندات إقليمية ذات طابع طائفي.. ولذلك جاءت الحرب، بتدبير إلهي، لإضعاف القوى المتكالبة على المقاومة، استهدافا وتمويلا وخذلانا ومتاجرة.
وانطلاقا من هذا المنطق، يمكن قراءة الحرب الدائرة باعتبارها صراعا سيؤدي، على الأرجح، إلى إضعاف مختلف الأطراف المتورطة فيه. فإسرائيل، التي تواجه بالفعل انقسامات داخلية عميقة منذ سنوات، قد تجد نفسها أمام أزمة مركبة تتداخل فيها الضغوط الأمنية مع الكلفة الاقتصادية والبشرية للحرب. ومع استمرار الاستنزاف العسكري وتضرر البنية التحتية، قد تتفاقم الخلافات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، ما يضعف تماسكه الداخلي ويحد من قدرته على إدارة صراع طويل الأمد.
أما إيران، فرغم ما تمتلكه من نفوذ إقليمي وشبكة حلفاء، فإن انخراطها في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل يحمل مخاطر جسيمة على اقتصادها واستقرارها الداخلي. فالحرب قد تستنزف قدراتها العسكرية والمالية، وقد تقيد طموحاتها الإقليمية، بل وربما تفتح الباب أمام تحولات سياسية داخلية يصعب التنبؤ بمآلاتها.
وفي المقابل، لن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن تداعيات هذا الصراع، خاصة في ظل الإرهاق الاستراتيجي الذي تعانيه بعد سنوات طويلة من الانخراط العسكري في الشرق الأوسط. فالحرب الجديدة قد تعمق النقاش داخل واشنطن حول جدوى التورط في نزاعات إضافية، وتحد من اندفاع بعض التيارات السياسية نحو إشعال جبهات جديدة عبر العالم، في حين ستجد الأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة نفسها أمام تحدي الإجابة عن السؤال الكبير: هل نستمر في الاعتماد على وهم الحماية الخارجية بعد فشله في أول اختبار؟!.
وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، يبرز احتمال أن تخلق هذه الحرب فرصة استراتيجية للمقاومة الفلسطينية. فإضعاف إسرائيل عسكريا واقتصاديا، بالتوازي مع انشغال حلفائها وأعدائها بصراعات جانبية، قد يفتح نافذة زمنية نادرة لإعادة ترتيب أوراق الصراع.
وهنا قد تعود ديناميكية المواجهة في غزة إلى الواجهة بشكل أكثر قوة واتساعا، مستفيدة من حالة الإنهاك التي قد تصيب الخصم، ومن تراجع قدرة بعض القوى الإقليمية على توظيف القضية الفلسطينية في صراعاتها الخاصة.
إن الحرب الدائرة تبدو أقرب إلى زلزال جيوسياسي سيعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط. فبدلا من أن تكرس هيمنة طرف واحد، قد تقود إلى مرحلة من التوازنات الهشة، حيث يخرج الجميع أكثر ضعفا، لكن المشهد الإقليمي يصبح أكثر قابلية للتغيير.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تتحدد النتائج فقط في ساحات القتال، بل أيضا في قدرة الفاعلين السياسيين على قراءة اللحظة واستثمارها. ومن هذه الزاوية، قد تكون المعركة الحقيقية المقبلة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراعا على من يملك القدرة على صياغة مستقبل المنطقة بعد أن تخفت أصوات المدافع، والأرجح أن المقاومة الفلسطينية ستكون الأقدر على إعادة جغرافيا المنطقة لما قبل العقود الثمانية الأخيرة.

.jpg)
.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)