
ليس الجدل حول “المواد المحصّنة” جدلًا تقنيًا صرفًا، بل هو في جوهره سؤالٌ عن ما الذي ينبغي أن يُحصَّن حقًا: أهو ما يتصل بتداول السلطة، أم ما يتصل بكيان الدولة وهويتها ووحدتها؟ ومن هنا تبدو إعادة ترتيب الأولويات الدستورية شرطًا لفهمٍ أدقّ لقرار تأجيل الحوار الوطني، ولمسارات الإصلاح الممكنة.
إن منطق التحصين، في أصله، ليس تقديسًا للنص، بل حمايةٌ لما لا يحتمل الاضطراب. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأولى بالتحصين—في سياق دولة مثل موريتانيا—هو ما يمسّ:
حسم الهوية الجامعة على نحوٍ واضحٍ لا يترك مجالًا للتنازع التأويلي
تعريب الإدارة باعتباره خيارًا سياديًا ينسجم مع هوية الدولة ولغتها الرسمية
ترسيم الحدود الجغرافية وضبطها بشكلٍ نهائي مع الجوار، بما يقطع مع بؤر الالتباس التاريخي ويعزّز الاستقرار الإقليمي
فهذه المجالات تمسّ وجود الدولة واستمراريتها، لا مجرد آليات تداول السلطة داخلها، وهي لذلك أحقّ بأن تُرفع إلى مرتبة الثوابت الدستورية التي لا تُفتح إلا في نطاقٍ استثنائي ضيّق وتوافقٍ وطني عريض.
أما ما يتصل بـتحديد مدة ولاية الرئيس، فإنه—في هذا التصور—لا يرقى إلى مستوى “التحصين المطلق”، لاعتباراتٍ عدة:
أولها أن هذا التحديد هو اجتهاد دستوري حديث نشأ في سياقاتٍ سياسية معاصرة، وليس له أصلٌ ملزم في مصادر التشريع الإسلامي التي ينصّ الدستور على مرجعيتها.
وثانيها أن الغاية من تحديد المأموريات هي منع الاستبداد وضمان التداول، وهي غاية يمكن تحقيقها بوسائل مؤسسية متعددة، لا تنحصر في رقمٍ جامدٍ للمأموريات.
وثالثها أن تحويل هذا الاجتهاد إلى “نصٍّ محصّن” قد يُفضي إلى جمودٍ دستوري يُقيّد قدرة النظام على التكيّف مع التحولات، بدل أن يحميه.
غير أن هذه الرؤية، على وجاهتها، لا تعني فتح الباب على مصراعيه لتعديل قواعد السلطة دون ضوابط، بل تستلزم إطارًا صارمًا يضمن أن أي نقاشٍ في هذا الباب يتمّ:
ضمن مؤسساتٍ دستورية واضحة
وبإرادةٍ شعبية مُعبَّر عنها بوسائل مشروعة
وفي سياقٍ خالٍ من الضغوط الظرفية والاستقطاب الحاد
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم تأجيل الحوار الوطني لا باعتباره رفضًا لمناقشة هذه القضايا، بل باعتباره إرجاءً لنقاشٍ لم تنضج شروطه بعد. فطرح مسائل بحجم الهوية، واللغة، والحدود، وقواعد الحكم، يتطلب منسوبًا عاليًا من الثقة والتماسك، لا يتأتى في أجواء التوتر أو الحسابات الضيقة.
إن الإشكال الحقيقي ليس في وجود “مواد محصّنة” من عدمه، بل في اختلال ترتيب الأولويات داخل منظومة التحصين نفسها. فحين تُحصَّن آليات السلطة أكثر مما تُحصَّن أسس الدولة، ينشأ خللٌ في البناء الدستوري، يُغذّي الجدل بدل أن يحسمه.
خلاصة القول:
إن تحصين الدستور ينبغي أن ينصرف أولًا إلى ثوابت الكيان الوطني: هويةً، ولغةً، وحدودًا، ثم يُترك ما دون ذلك—ومن ضمنه تنظيم السلطة—لمجال الاجتهاد المنضبط. وتأجيل الحوار، في هذا الإطار، قد يكون فرصة لإعادة ترتيب هذه الأولويات، تمهيدًا لنقاشٍ وطني أعمق، لا يُدير الخلاف فحسب، بل يُؤسّس لاتفاقٍ أكثر رسوخًا وعدلًا.


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)