
بدا الموقف الموريتاني الأخير من التطورات المتسارعة في جمهورية مالي المجاورة تعبيرا متوازنا عن رؤية استراتيجية يقودها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قوامها الجمع بين سياسة حسن الجوار، والتضامن الأخوي، والصرامة الأمنية الواعية التي جنّبت البلاد تداعيات الانزلاق الأمني في بعض دول الجوار.
لقد عبّرت موريتانيا، في بيانها الرسمي، عن قلقها الشديد إزاء الهجمات التي شهدتها عدة مناطق في جمهورية مالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع الشعب المالي في هذه الظروف الحساسة. وهذا الموقف، في جوهره، امتداد لنهج ثابت تبنته نواكشوط خلال السنوات الأخيرة، يقوم على اعتبار أمن الجوار جزءا لا يتجزأ من أمنها الوطني.
ويحسب للرئيس الغزواني، ومنذ توليه مقاليد الحكم، ترسيخ مقاربة هادئة ورصينة في التعاطي مع الأزمات الإقليمية، تقوم على تغليب منطق الحكمة والمسؤولية المشتركة بدل الانخراط في سياسات التصعيد أو الاصطفاف الحاد. فالتأكيد على روابط الأخوة مع مالي، وعلى حرص موريتانيا الدائم على أمنها واستقرارها، يعكس فهما عميقا لتعقيدات المشهد في منطقة الساحل، حيث لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عن محيطها.
لقد ظهرت سياسة حسن الجوار، التي شددت عليها نواكشوط في بيانها، كخيار استراتيجي أثبت نجاعته. فقد حافظت موريتانيا على قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليمية، وأسهمت في جهود تعزيز السلم والاستقرار، إدراكا منها أن معالجة الأزمات لا تكون فقط بالحلول الأمنية، بل أيضا بالدعم السياسي والإنساني ومساندة الشعوب في محنها.
وفي المقابل، لم يمنع هذا الانفتاح الدبلوماسي موريتانيا من اعتماد مقاربة أمنية صارمة وحازمة داخل حدودها. فبفضل رؤية استباقية، عززت الدولة قدراتها الدفاعية، ورفعت من جاهزية أجهزتها الأمنية، ما مكّنها من تحصين البلاد ضد امتدادات التهديدات العابرة للحدود.
وكانت هذه الصرامة، التي تتكامل مع سياسة حسن الجوار، عاملا حاسما في تجنيب موريتانيا سيناريوهات الفوضى التي شهدتها بعض دول الساحل.
إن موقف موريتانيا من تطورات مالي يبعث برسالة واضحة مفادها أن التضامن لا يتناقض مع الحذر، وأن مساعدة شعوب المنطقة لا تعني التفريط في أمن الوطن. وهو توازن دقيق نجحت القيادة الموريتانية في ترسيخه، جامعا بين البعد الإنساني والأخلاقي، والبعد السيادي والأمني.
ويعكس هذا الموقف نضج السياسة الخارجية الموريتانية، وحكمة قيادتها، وقدرتها على قراءة التحولات الإقليمية بواقعية وبعد نظر، بما يحفظ لموريتانيا مكانتها كعامل استقرار في محيط إقليمي مضطرب، ويؤكد أن خيار الحكمة والاعتدال يظل، في نهاية المطاف، الطريق الأنجع لصون الأمن وخدمة شعوب المنطقة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)