مهرجان المذرذرة الدولي: ذاكرة التاريخ وصوت الحاضر

 

مهرجان المذرذرة الدولي ليس سوى فكرة نبيلة انبثقت من وجدان أبناء هذه الأرض، ثم تحولت إلى مبادرة طموحة يقودها الغيورون على منطقتهم، المؤمنون بعمقها الحضاري ومكانتها الثقافية والعلمية والأدبية في تاريخ الوطن الموريتاني.
لقد جاءت هذه المبادرة من حرصٍ صادق على إحياء تراثٍ زاخر ومجيد، ظلّ حبيس الذاكرة رغم ما يحتويه من رموز سامقة في العلم والفكر والشعر والجهاد والإصلاح. فهي محاولة لإعادة الاعتبار لمنطقة المذرذرة التي كانت عبر القرون منارةً للعلم والأدب والتصوف، ومعقلًا لإحدى أعظم الإمارات الموريتانية: إمارة اترارزة.                    
كانت المذرذرة مركزًا للمقاومة الوطنية، حيث لعب أمراء الإمارة وأهلها دورًا محوريًا في الدفاع عن الأرض والعقيدة والهوية، وسطروا صفحات خالدة من الصمود في وجه الحملات الأجنبية قبل الاحتلال الفرنسي.
ومن أبرز محطات هذه المقاومة معركة لكويشيشي في 28 نوفمبر 1908 بقيادة الأمير أحمد للديد ولد سيدي ولد محمد لحبيب، التي شكلت رمزًا للتحدي والإباء، وأصبح يوم 28 نوفمبر امتدادًا رمزيًا لتلك البطولات التي أرست جذور الحرية والسيادة.
وقد أسهم المؤرخ المختار ولد حامد على الصعيد الوطني في توثيق هذا التاريخ الغني، موثقًا دور الإمارة والمجتمع في المقاومة، ومبرزًا الترابط بين الصمود العسكري، الروحانية، والتعليم كركائز أساسية للحفاظ على الهوية الوطنية...
لم تكن المذرذرة مجرد أرض للمقاومة السياسية، بل كانت أيضًا مركزًا للإشعاع الروحي والديني في المنطقة. لعب الشيخ سعدبوه ولد الشيخ محمد فاضل دورًا محوريًا في تأسيس مدرسة القادرية في المذرذرة، والتي امتدت آثارها إلى عمق غرب إفريقيا، ناشرةً قيم السخاء و البذل و التسامح والسلم والإخاء، رابطة بين المجتمعات من موريتانيا إلى السنغال ومالي وغامبيا وغينيا.
كما كان للطريقة التيجانية حضورا بارزا في المنطقة، حيث أسهمت في تعزيز الروابط الروحية والاجتماعية، ونشرت منهجية تصوفية تجمع بين العبادة والمعرفة، مما جعل المذرذرة حاضنة لتنوع روحي متكامل.
و استكمالًا للبعد الروحي، لعب العلماء والقضاة دورًا أساسيًا في بناء مجتمع متوازن، من خلال تدريس العلوم الشرعية، اللغة العربية، والقيم الأخلاقية. وقد نشأت في المذرذرة أكبر المحاظر الوطنية ، التي شكلت قبلة لطلبة العلم من مختلف أرجاء موريتانيا، ونقلت الثقافة والمعرفة عبر الأجيال، مما أرسى قاعدة علمية صلبة ربطت بين التصوف والتعليم.
لقد أسهم القضاة والعلماء في صياغة منظومة قانونية وأخلاقية متكاملة، حافظت على النظام الاجتماعي وربطت بين القيم الدينية والسلوك المدني. ومن خلال المحاظر ومراكز التعليم، تم تعزيز قدرة المجتمع على التمسك بالقيم الدينية والثقافية، مع إتاحة الفرصة للطلبة لتعلم العلوم الشرعية والتاريخية جنبًا إلى جنب مع المعرفة التصوفية، بما يعكس التكامل بين التصوف، العلم، التاريخ، والقضاء في نسيج المنطقة.
إلى جانب البعد التاريخي والروحي والعلمي، تضم المذرذرة نطاقًا جغرافيًا واسعًا يمتد عبر مناطق متنوّعة مثل إكيدي، وآفطوط، ولعقل، وبرويت، والخط، وانوللان، و لوبه، وخط الدامي، ولخشومه وغيرها من المناطق، ولكلٍّ من هذه المناطق خصوصياتها الثقافية والاجتماعية التي تشكل لوحة فريدة تعبّر عن غنى المذرذرة وتنوّعها الإنساني والحضاري.   كما لا يمكن الحديث عن المذرذرة دون التوقف عند مدارسها الأدبية الرفيعة التي أسست لتقاليد الشعر العربي الفصيح والشعبي على حدٍّ سواء، كما يلي:
-مدرسة أهل مانو: جمعت بين الأصالة اللغوية والابتكار الفني، وأسست قاعدة متينة للتجديد الشعري.
-مدرسة إكيدي الأدبية بزعامة الولي الصالح أمحمد ولد أحمد يوره، التي أرست دعائم الأسلوب الموريتاني الرصين في الشعر الفصيح.
-مدرسة أهل هدار التي برزت في الشعر الشعبي الحساني.
-مدرسة أهل اجريفين التي أضافت بعدًا خاصًا من الإبداع الشعري والفكري.
-مدرسة لخشومه التي أرسَت قاعدة ثقافية وأدبية متينة في المنطقة...و غيرها من المدارس الأدبية...
حافظت المذرذرة أيضًا على الفنون الشعبية المتميزة، وعلى رأسها فن “اتهيدين”، الذي يجمع بين الغناء والمدح والتعبير الوجداني، ولعبة الدبوس، التي تمثل جزءًا أصيلاً من الفلكلور الشعبي المحلي، ليكون كل ذلك جسرًا بين الأجيال ووسيلة لتوثيق الذاكرة الجمعية للمنطقة.
ولا يقل الجانب الاقتصادي والثقافي أهمية، فالمذرذرة ازدهرت في:
-تجارة الصمغ العربي ذات التاريخ الطويل.
-تجارة الملح في سبخة أهل محمد لحبيب، التي لعبت دورًا اقتصاديًا مهمًا منذ القرون الماضية، وكانت مركزًا للتبادل التجاري الإقليمي، وساهمت في دعم الإمارة اقتصاديًا ورمزيًا.
-ضفاف المحيط الأطلسي التي ربطت المنطقة بالطرق التجارية البحرية منذ عهد البرتغاليين وحتى الفرنسيين، مما جعل المذرذرة جزءًا من شبكة تجارية واسعة تربط بين إفريقيا الغربية وأوروبا.
-الصناعة التقليدية التي أبدع فيها الحرفيون المحليون، مثل النسيج والفخار والأعمال اليدوية، إلى جانب الحفاظ على الفلكلور الشعبي.

ومن المهم التأكيد هنا أنه لا تعارض ولا منافسة بين مهرجان اترارزة للتراث ومهرجان المذرذرة الدولي، فهما في الجوهر يكملان بعضهما في خدمة تاريخ واحد، وإرث مشترك، ومقاصد ثقافية وتنموية متقاربة. إنهما وجهان لمجد واحد هو مجد ولاية اترارزة العريقة بكل رموزها وأعلامها.

إن الحديث عن مهرجان المذرذرة الدولي هو في جوهره حديث عن تاريخ المقاومة والروحانية والتعليم والقضاء والمدارس الأدبية الأصيلة والفنون الشعبية الراقية والصناعة التقليدية والاقتصاد التراثي، وعن مدينة جمعت بين السيف والقلم، وبين الزاوية والمضرب، بين التكوين العلمي الصارم والروح الجهادية الحرة التي صانت الكيان الموريتاني من الذوبان.

من هنا، فإن هذا المهرجان لا يُراد له أن يكون مجرد تظاهرة عادية، بل مشروع وطني مفتوح أمام الجميع، يستمد شرعيته من ماضي المذرذرة المجيد، ويستشرف مستقبلًا تزدهر فيه الثقافة والتنمية معًا.
إنه عمل جماعي جامع يتجاوز الانتماءات الضيقة، ويتسع لكل أبناء المنطقة رجالًا ونساءً، لأن نفعه عام ومردوده مشترك. فالثقافة حين تكون جامعة، تُطفئ الخلاف، وتُعلي صوت الانتماء المشترك على أصوات التنازع.

ففي المذرذرة يلتقي التاريخ بالحاضر، وتنهض الذاكرة من بين الكتب والقصائد والألحان والأعمال اليدوية لتقول للعالم:
هنا كانت إمارة اترارزة، وهنا صدحت كلمة شيخنا الشيخ سعدبوه، وهنا نبغ شعراء أهل مانو وإكيدي وأهل هدار وأهل اجريفين، وهنا مدرسة لخشومه، وهنا عزف فن “اتهيدين” ولعبة الدبوس، وهنا ازدهرت صناعة تقليدية وفلكلور شعبي، وتجارة الصمغ العربي وتجارة الملح، وهنا لعب العلماء والقضاء دورهم، وهنا ازدهرت المحاظر الوطنية ، وهنا أسهمت الطرق الصوفية القادرية والتيجانية في ترسيخ الروابط الروحية والتعليمية، وهنا وثق المؤرخ المختار ولد حامد تاريخ المنطقة على المستوى الوطني، وهنا لا يزال المجد حيًّا... منذ معركة لكويشيشي إلى يوم الاستقلال الوطني، ومن النمجاط إلى عموم غرب إفريقيا، مرورًا بكل وِهاد إكيدي وآفطوط ولعقل وبرويت والخط و لوبه وخط الدامي ولخشومه.

من صفحة : المختار ولد عيدله
Moctar Bah Aidelha

اثنين, 27/10/2025 - 05:03