
في خطوة ذات مغزى تراثي وروحاني، أشرف قائد الأركان العامة للجيوش الفريق محمدفال الرايس على حفل إفطار بنادي الضباط في العاصمة نواكشوط بمناسبة اختتام النسخة الأولى من مسابقة “جائزة قائد الأركان العامة للجيوش لحفظ وتجويد القرآن الكريم”.
وقد جاء الحدث ليكشف عن توجه لافت داخل المؤسسة العسكرية الموريتانية نحو تعزيز البعد القيمي والروحي في منظومة التكوين العسكري، باعتباره ركيزة أساسية في بناء الإنسان قبل بناء القدرات القتالية.
لم تعد الجيوش الحديثة تكتفي بإعداد المقاتل من الناحية البدنية والتقنية فقط، بل باتت تولي أهمية متزايدة لتكوين الشخصية المتوازنة التي تجمع بين الانضباط المهني والمرجعية القيمية. وفي هذا السياق، تبدو مسابقة حفظ وتجويد القرآن الكريم داخل الجيش الموريتاني جزءا من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الأخلاق المهنية والالتزام والانضباط لدى أفراد المؤسسة العسكرية.
ففي المجتمعات ذات المرجعية الإسلامية، يشكل القرآن الكريم مصدرا أساسيا للقيم التي تعزز روح المسؤولية والعدل والتضحية. ومن هنا، فإن تشجيع العسكريين على حفظه وتجويده يؤسس لثقافة مؤسسية قوامها الانضباط الذاتي والالتزام الأخلاقي.
ويحمل تنظيم هذه المسابقة من قبل قيادة الأركان دلالة رمزية مهمة، إذ يعكس رغبة في الجمع بين صرامة المؤسسة العسكرية وعمقها القيمي. فالجيوش التي تنجح في تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والقوة المعنوية تكون غالبا أكثر قدرة على أداء مهامها بثبات ومسؤولية.
كما أن اختيار شهر رمضان لتنظيم حفل الاختتام وإقامة الإفطار يعزز من البعد الروحي للمبادرة، ويمنحها بعدا تربويا ينسجم مع الأجواء الإيمانية للشهر الكريم.
ومن اللافت في هذه النسخة الأولى من المسابقة تنوع المشاركين، حيث شملت فئات مختلفة من الحفظ، من القرآن كاملا إلى نصفه وثلثه، إضافة إلى تخصيص فئة للعنصر النسوي، فضلا عن مشاركة منتسبين من مؤسسات تعليمية ومهنية مثل مجمع بوليتكنيك ومؤسسة تصنيع الملابس.
ويعكس هذا التنوع توجها نحو جعل المسابقة فضاءً جامعاً يربط بين المؤسسة العسكرية ومحيطها الوطني، ويعزز فكرة أن القيم المشتركة يمكن أن تكون جسرا للتقارب بين مختلف مكونات المجتمع.
وفي السياق الأوسع، يمكن قراءة هذه المبادرة ضمن جهود الدولة لتعزيز تماسك المؤسسات الوطنية وترسيخ روح الانتماء والالتزام. فالجيش، بوصفه إحدى أهم مؤسسات الدولة، يلعب دورا محوريا في حماية الاستقرار، ولا يتحقق ذلك فقط عبر العتاد والتدريب، بل أيضا عبر بناء منظومة قيمية راسخة لدى أفراده.
ولذلك، فإن مبادرات من هذا النوع تسهم في تعزيز ما يمكن تسميته بـ“القوة المعنوية” للمؤسسة العسكرية، وهي قوة لا تقل أهمية عن القوة المادية في ترسيخ الانضباط وتعزيز الثقة داخل المؤسسة وبينها وبين المجتمع.
ومع اختتام النسخة الأولى من المسابقة وتكريم الفائزين، يبدو أن هذه المبادرة مرشحة لأن تتحول إلى تقليد سنوي داخل الجيش الموريتاني، بما يرسخ ثقافة العناية بالبعد الروحي إلى جانب التأهيل العسكري.
ففي نهاية المطاف، يبقى بناء الإنسان هو الأساس لأي مشروع وطني ناجح، والجيش الذي يجمع بين الكفاءة المهنية والمرجعية القيمية يظل أكثر قدرة على أداء رسالته في حماية الوطن وصون استقراره.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.jpg)
.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)