
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، اختار فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أن يفتح نقاشا وطنيا واسعا مع رؤساء الأحزاب السياسية حول تداعيات التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد الوطني، في خطوة تعكس وعيا عميقا بدقة المرحلة، وإدراكا مبكرا لحجم التحديات القادمة.
لم يكن الاجتماع مجرد محطة تشاورية، بل تعبيرا عن إرادة سياسية جادة لبناء إجماع وطني مسؤول في مواجهة ظرف دولي ضاغط، يتسم باضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات.
ما ميّز عرض رئيس الجمهورية هو الوضوح والشفافية في تشخيص وضع المنظومة الطاقوية الوطنية، والاعتراف الصريح بارتباطها الوثيق بالتقلبات الخارجية. فقد وضع الرئيس الجميع أمام حقيقة مفادها أن اقتصادا يعتمد بدرجة معتبرة على استيراد الطاقة يظل عرضة للتأثر المباشر بالأزمات الجيوسياسية، بما تحمله من انعكاسات على الميزانية العامة، والدعم، والأسعار، والقدرة الشرائية للمواطنين.
هذا التشخيص الواقعي لا ينطوي على تهويل، بقدر ما يعكس حرصا على استباق المخاطر، والتنبيه إلى أن تداعيات الأزمة لا تتوقف عند كلفة الوقود، بل تمتد إلى قطاعات النقل والإنتاج وسلاسل التوريد، بما يجعل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي أولوية قصوى تتطلب إدارة رشيدة وحكيمة.
ويعكس تأكيد الرئيس على أن الحكومة بادرت منذ الوهلة الأولى إلى اتخاذ إجراءات استباقية، عبر إنشاء آلية لمتابعة تطورات الأسواق واقتراح التدابير المناسبة، نهجا قائما على اليقظة والجاهزية، وعدم انتظار تفاقم الأزمات قبل التحرك. وقد أسهم هذا التوجه، كما أوضح الرئيس، في التخفيف النسبي من وطأة الصدمة على الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت نفسه، لم يُغفل الرئيس محدودية هامش المناورة المتاح، بحكم الطبيعة الخارجية والبنيوية للأزمة، وهو ما يبرز شجاعة سياسية في مصارحة الفاعلين السياسيين والرأي العام بحقيقة التحديات، دون إنكار أو تبسيط.
ومن أبرز الرسائل الإيجابية التي حملها الاجتماع، تركيز رئيس الجمهورية على ضرورة الانضباط المالي وترشيد الإنفاق ومحاربة التبذير، مقرونا بتعهد واضح بأن تكون الدولة قدوة في هذا المسار. وهي رسالة بالغة الدلالة، تعكس فهما عميقا لحساسية السياسات التقشفية، ووعيا بأن نجاحها مرهون ببدئها من أعلى هرم السلطة، قبل أن تُطلب من المواطنين.
ومن شأن هذا التوجه أن يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لمسار إصلاحي متوازن، يراعي العدالة الاجتماعية، ويحمي الفئات الهشة من تحمل أعباء لا طاقة لها بها.
وتعكس دعوة رئيس الجمهورية للأحزاب السياسية إلى تجاوز الخلافات الظرفية والانخراط في جهد وطني مشترك، إيمانا راسخا بأن إدارة الأزمات الكبرى تتطلب تماسكا سياسيا، وخطابا موحدا، وشعورا جماعيا بالمسؤولية. فالمصارحة مع المواطنين، وترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك الطاقة، لا يمكن أن ينجحا دون غطاء سياسي واسع، يوازن بين الصدق في التشخيص والطمأنة في الخطاب.
ويؤكد هذا الاجتماع أن البلاد مقبلة على مرحلة تتطلب قرارات مسؤولة، وربما غير شعبوية، لكنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وبين ضغوط الخارج وتحديات الداخل، يبرز رهان القيادة الرشيدة في تحويل هذا الوعي السياسي المبكر إلى سياسات عملية فعالة، تُمكّن من عبور المرحلة بأقل كلفة، وتضع لبنات اقتصاد وطني أكثر صلابة ومناعة في مواجهة الأزمات المقبلة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)