توحيد الصف.. صمّام الأمان في وجه التحديات العابرة للحدود/ إسماعيل ولد الرباني*

الوئام الوطني. : أعادت الحرب الدائرة في منطقة الخليج وضع ملف الطاقة في صدارة الاهتمام العالمي، بعد أن كشفت، مرة أخرى، عن هشاشة التوازنات الاقتصادية الدولية، وعمق الترابط بين أسواق الدول، مهما بدت جغرافيا أو سياسيا بعيدة عن بؤر الصراع. فهذه الحرب لم تبق حبيسة حدودها العسكرية، بل تمددت آثارها سريعا إلى أسعار النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل والإنتاج، لتطال في النهاية حياة المواطنين في مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا السياق الدولي المضطرب، بادرت الحكومة إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الاستباقية الهادفة إلى التخفيف من تداعيات أزمة الطاقة، إدراكا منها لحساسية الظرف، وخطورة انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية.

ولم تأتِ هذه الخطوات كرد فعل متأخر، بل في إطار قراءة واعية لطبيعة المرحلة، ومحاولة لتطويق الأزمة قبل أن تتحول إلى ضغط مباشر على الاستقرار المعيشي والاجتماعي.

إن ما يميز هذه المقاربة الحكومية هو استحضارها المبكر لمنطق الوقاية بدل الاكتفاء بالعلاج، سواء عبر حماية أسعار المواد الأساسية، أو دعم الفئات المتأثرة، أو بعث رسائل سياسية واضحة مفادها أن الدولة حاضرة، وتتحمل مسؤوليتها كاملة في ظرف عالمي معقد لا تملك فيه الدول المتوسطة والهشة ترف الارتجال أو الشعبوية.

غير أن نجاح أي سياسة عمومية في أوقات الأزمات لا يتوقف على القرارات الحكومية وحدها، مهما بلغت وجاهتها، بل يظل رهينا بوعي الرأي العام، وتماسك الجبهة الداخلية، وقدرة المجتمع على التمييز بين النقد المسؤول، الذي يثري النقاش العام، والدعوات العبثية التي لا تنتج سوى الفوضى وزعزعة الأمن.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى توجيه نداء صريح إلى الأحزاب السياسية، والتيارات الفكرية، وعموم المواطنين، بضرورة توحيد الصف، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، والتعامل مع أزمة الطاقة بوصفها تحديا جماعيا لا مجال فيه للمزايدات أو الاستثمار السياسي الضيق. فالتجارب الدولية أثبتت أن الانقسام الداخلي في أوقات الأزمات لا يزيد الوضع إلا تعقيدا، ولا يخدم سوى منطق الفوضى والانهيار.

كما أنه من الضروري التحذير من الدعوات المشبوهة إلى الإخلال بالأمن أو إثارة الاضطرابات، والتي يطلقها أحيانا أشخاص يفتقرون إلى أدنى فهم لما يجري في العالم، ولا يدركون طبيعة الترابط العميق بين اقتصاديات الدول، ولا حجم الدور المركزي الذي تمثله الطاقة كمادة أساسية تقوم عليها الحياة العصرية، من الغذاء إلى النقل، ومن الصحة إلى التعليم.

إن الطاقة لم تعد مجرد سلعة، بل عصب الحياة الحديثة، وأي اضطراب في إمداداتها أو أسعارها ينعكس تلقائيا على كل مفاصل المجتمع. ومن هنا، فإن التعامل مع الأزمة بعقلية التبسيط أو التحريض، بدل الفهم والتحليل، يشكل خطرا حقيقيا على السلم الاجتماعي، ويقوض الجهود الرامية إلى احتواء التداعيات بأقل كلفة ممكنة.

إن بلادنا، كغيرها من دول العالم، تمر بمرحلة دقيقة تفرض أعلى درجات الوعي والمسؤولية. وقد وضعت الحكومة لبنات مقاربة استباقية تستحق الدعم والتعزيز، لكن استكمالها يتطلب اصطفافا وطنيا واسعا خلف الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة بتوجيه وإشراف مباشر ودقيق من طرف فخامة رئيس الجمهورية، يوازن بين حق التعبير وواجب الحفاظ على الأمن والاستقرار، ويجعل من الأزمة فرصة لتعزيز التماسك الداخلي، بدل أن تتحول إلى مدخل للفوضى والتشكيك. ففي زمن الأزمات الكبرى، لا يكون الانتصار الحقيقي إلا بوحدة الصف، ورجاحة العقل، وتغليب المصلحة العامة.

 

*- إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

خميس, 02/04/2026 - 13:05