حدث وتعليق/ التنسيق بين التعليم العالي والنقل.. الطريق إلى الجامعة جزء من مشروع المعرفة

يمثل الاجتماع الذي جمع وزير التعليم العالي والبحث العلمي يعقوب ولد أمين بوزير التجهيز والنقل اعلي سيد أحمد الفيرك محطة لافتة في مسار التعاطي مع الإشكالات البنيوية التي تواجه المنظومة الجامعية، وفي مقدمتها مسألة نقل الطلاب. 

هذه الخطوة تحمل في جوهرها بعدا استراتيجيا يعكس وعيا متقدما بأن جودة التعليم العالي لا تنفصل عن جودة البيئة والخدمات المحيطة به.

ويندرج النقل الجامعي ضمن ما يُعرف بـ«البنية التحتية الناعمة» للتعليم؛ أي تلك العناصر غير الأكاديمية التي تؤثر بصورة مباشرة في التحصيل العلمي والبحثي. فالطالب الذي يقضي ساعات طويلة في التنقل، أو يعاني من عدم انتظام وسائل النقل، يصل إلى قاعة الدرس مثقل الذهن، مشتت التركيز، وأحيانا غائبا كليا. ومع تكرار هذه المعاناة، يتحول النقل من خدمة مساندة إلى عامل إعاقة حقيقي ينعكس على نسب الحضور، ومستوى التفاعل داخل المحاضرات، وقدرة الطالب على التفرغ للبحث والمطالعة.

وفي هذا السياق، تكتسب الخطوة الحكومية أهمية مضاعفة، لأنها تنقل ملف النقل الجامعي من خانة التدبير الظرفي إلى فضاء التخطيط المشترك بين قطاعين سياديين. فالتعليم العالي يحدد الحاجيات الأكاديمية والزمنية للطلاب، بينما يملك قطاع التجهيز والنقل أدوات التنفيذ والتخطيط الشبكي والبنية التحتية. وعندما يلتقي هذان البعدان، يصبح بالإمكان تصور حلول متكاملة تراعي التوسع العمراني للمدن الجامعية، وتستجيب لتزايد أعداد الطلاب وتنوع مؤسساتهم.

ويعكس هذا التنسيق تحولا في المقاربة الرسمية، من التركيز الحصري على المحتوى التعليمي إلى العناية بالطالب بوصفه محور العملية التعليمية. فتسهيل تنقل الطالب لا يعني فقط ضمان وصوله إلى المدرج، بل يعني أيضا منحه وقتا أطول للمطالعة، وللعمل المخبري، وللبحث الميداني، وللتفاعل العلمي داخل الحرم الجامعي. وهو ما ينعكس، على المدى المتوسط، في رفع مستوى البحث العلمي، وتحسين مخرجات التعليم العالي، وتعزيز تنافسية الجامعة الوطنية.

كما أن الأثر الاجتماعي لهذه الخطوة لا يقل أهمية عن بعدها الأكاديمي. فالنقل الجامعي المنظم يسهم في تكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، ويحد من الفوارق الناتجة عن القدرة المادية على السكن القريب أو استخدام وسائل نقل خاصة. وبذلك، يتحول النقل إلى أداة من أدوات العدالة التعليمية، تضمن أن يكون التفوق الأكاديمي رهين الجهد والكفاءة، لا رهين الجغرافيا أو الدخل.

ومن منظور السياسات العمومية، يمكن اعتبار هذا الاجتماع لبنة أولى في بناء نموذج للحكامة الأفقية، حيث تتكامل القطاعات بدل أن تعمل في جزر معزولة.

ومن شأن ترجمة هذا التنسيق إلى خطط عملية، من قبيل تخصيص خطوط نقل جامعي، وضبط جداول زمنية منسجمة مع التوقيت الأكاديمي، واعتماد حلول مستدامة بيئيا وماليا، أن تكون الدولة قد خطت خطوة نوعية نحو جامعة أكثر انتظاما، وأكثر قدرة على أداء دورها العلمي والتنموي.

ويعتبر الاجتماع بين وزيري التعليم العالي والنقل إشارة سياسية وتدبيرية ذات دلالة عميقة. فهو يؤكد أن الاستثمار في الطالب لا يبدأ من قاعة المحاضرة فحسب، بل من الطريق التي تقوده إليها. وإذا ما استُثمر هذا التوجه بجدية واستمرارية، فسيشكل دون شك رافعة حقيقية لتحسين التحصيل، وتطوير البحث العلمي، وترسيخ جامعة قادرة على مواكبة تطلعات التنمية الوطنية.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

ثلاثاء, 12/05/2026 - 13:56