ردّ على مقال “الظل الذي يحكم الميناء "

يقدّم المقال المعنون بـ«الظل الذي يحكم الميناء» سردية تعتمد على الإيحاء أكثر مما تعتمد على الوقائع، وعلى بناء الانطباعات أكثر من تقديم الأدلة. وعند تفكيك مضامينه يتبيّن أنه نص إنشائي سياسي لا يرتكز على معطيات موثقة بقدر ما يستند إلى الافتراض والتأويل.

أول ما يلفت الانتباه هو غياب أي معطيات قابلة للتحقق. فالمقال يتحدث عن “إلغاء شامل للعقود” و“إعادة توزيعها داخل دوائر ضيقة”، دون أن يقدّم قائمة بهذه العقود، أو طبيعة الإلغاءات، أو أي سند إداري أو قانوني يثبت ما يورده. وبهذا ينتقل من الخبر إلى الانطباع، ومن الوقائع إلى الانطباعات المرسومة مسبقاً.

كما يقوم النص على تحويل القرارات الإدارية الطبيعية في أي مؤسسة عمومية إلى دلالات سياسية مشبوهة. فإعادة تقييم العقود أو مراجعة الشركاء أو إعادة تنظيم الخدمات هي إجراءات معروفة في تسيير المرافق العمومية، لكنها في المقال تُقدَّم تلقائياً كقرينة على “التصفية” و“إعادة هندسة الولاءات”، دون أي برهان مهني أو مالي أو قانوني.

ويعتمد المقال بشكل لافت على مصادر غير محددة مثل “روايات متواترة” و“أوساط سياسية” و“ما جرى خلف الأبواب المغلقة”، وهي تعابير تُستخدم عادة عندما تغيب الوثيقة والشاهد والمرجع. وهذا الأسلوب لا يرقى إلى مستوى التحليل الصحفي، لأنه يستبدل المعلومة بالانطباع، والدليل بالإيحاء.

ثم ينتقل النص إلى شخصنة الملف عبر ربط مؤسسة الميناء بسيرة المدير العام وتاريخ مفترض من “الشبكات” و“الوساطات”، دون تقديم أحكام قضائية أو تقارير رسمية أو وقائع مثبتة. وهنا يتحول المقال من نقد سياساتي إلى بناء صورة ذهنية قائمة على الربط غير الموثق بين الأشخاص والقرارات.

الأخطر في المقال أنه ينتهي إلى تعميم واسع مفاده أن مؤسسات الدولة تُدار بمنطق “تصفية الحسابات وإعادة تدوير الولاءات”، وهو استنتاج يتجاوز حدود الموضوع نفسه، ويقفز من حالة مفترضة تخص إدارة الميناء إلى حكم شامل على طريقة تسيير الدولة، دون بناء منطقي أو معطيات داعمة.

في المحصلة، لا يقدم هذا النص قراءة تحليلية موضوعية لملف الميناء، بل يعيد إنتاج خطاب يقوم على الشك والتأويل والتعميم. وأي تقييم جاد لهذا الملف يقتضي الرجوع إلى المعطيات الإدارية والقانونية الموثقة، لا إلى الروايات غير المحددة أو القراءات الانطباعية التي تفتقر إلى الأدلة.

 محمد اصنيب

سبت, 23/05/2026 - 15:05