حين تتصارع الرؤوس داخل الدولة: من يحسم السيادة؟ / ذ. السالك اباه

عشتُ شاهدًا على تحولٍ سياسي بطيء خرج تدريجيًا من رحم الأنظمة العسكرية إلى أفق التعددية والدولة المدنية. رأيتُ كيف انتقلت السلطة من منطق الثكنة والتراتبية الصارمة إلى منطق المؤسسات والاحتكام للرأي العام، حتى انتهى المسار بقيام نظام ديمقراطي يقوده Mohamed Ould Ghazouani، وهو رجل جمع بين الخبرة العسكرية الميدانية والحكمة السياسية الهادئة؛ فقد تدرج من قيادة الأركان العامة للجيوش إلى الإدارة العامة للأمن الوطني ثم وزارة الدفاع، قبل أن يصل إلى قمة السلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر فوهات البنادق.
ولعل ما يلفت في هذه التجربة ليس الخلفية العسكرية وحدها، بل القدرة على التحول من منطق القيادة الهرمية الصلبة إلى إدارة سياسية أكثر هدوءًا وتقبّلًا للرأي الآخر، مع قدر من الصبر والتواضع وضبط النفس في التعامل مع الخصوم. وحتى في ما يُعرف محليًا بـ“قانون الرموز”، بدا واضحًا ميل النظام إلى قدر من التساهل في التطبيق، خاصة في ما يتعلق بالإساءات التي تمس شخص الرئيس نفسه، وهو ما يعكس محاولة لإبقاء المجال العام داخل منطق القانون لا منطق تصفية الحسابات السياسية.
وفي هذا التحول، لم يكن الإنجاز الحقيقي مجرد تداول سياسي، بل إعادة تعريف وظيفة الجيش نفسه: من لاعب مباشر في معادلات الحكم والانقلابات إلى مؤسسة جمهورية يُفترض فيها الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، لا تميل لطرف ضد آخر، ولا تتدخل في صناعة السلطة إلا في حدود حماية الدولة والدستور. ومع تجريم الانقلابات العسكرية والشروع فيها، انتقل حسم الصراع على القيادة من منطق تعدد الرؤوس داخل مراكز القوة إلى حكم الشعب عبر المؤسسات وصناديق الاقتراع.
ومن هنا يبرز السؤال القديم المتجدد:
هل تستطيع السلطة أن تتسع لرأسين؟ أم أن الدولة، مهما تعددت مراكز النفوذ فيها، تبحث دائمًا عن مركز واحد للحسم والسيادة؟
السنغال تعيد اليوم إنتاج هذا السؤال عبر التوترات بين Bassirou Diomaye Faye وOusmane Sonko. فالعلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة رئيس بمرؤوس فقط، بل علاقة رفيق نضال بواجهة انتخابية وقائد جماهيري فعلي. غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن التحالفات التي تنجح في إسقاط الخصوم ليست بالضرورة قادرة على إدارة الدولة بذات الانسجام بعد الوصول إلى الحكم.
فعندما تنتقل الحركات من المعارضة إلى السلطة يبدأ السؤال الحقيقي: من يحكم فعليًا؟ ومن يملك القرار النهائي؟ ومن يحدد اتجاه السفينة عندما تتعارض الطموحات وتتشابك الولاءات؟
هنا تظهر الحقيقة القديمة:
الدولة قد تحتمل مركزين للتأثير، لكنها نادرًا ما تحتمل مركزين للسيادة.
ولذلك تبدو الآية الكريمة: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ استعارة سياسية عميقة بقدر ما هي حقيقة إنسانية؛ فكما يعجز الجسد عن إدارة إرادتين متناقضتين في آن واحد، تعجز الدولة غالبًا عن الاستقرار إذا توزعت فيها الشرعية بين رأسين متساويين.
التاريخ الإفريقي نفسه يقدم شواهد قاسية على ذلك. ففي السنغال الأولى، دخل Léopold Sédar Senghor في صراع مع رفيقه ورئيس وزرائه Mamadou Dia. كان دياه يمثل مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا أكثر راديكالية، بينما كان سنغور يميل إلى البراغماتية وضبط التوازنات. وفي النهاية انتصرت الدولة للرأس الذي احتكر الشرعية السيادية، وتم إقصاء دياه وسجنه. لم يكن الخلاف مجرد تنافس أشخاص، بل صراعًا حول من يملك القرار النهائي داخل الدولة.
وفي Egypt، حين رحل Gamal Abdel Nasser، ظن كثيرون أن Anwar Sadat مجرد رئيس انتقالي ضعيف، وأن السلطة الحقيقية بيد ما سماه لاحقًا “مراكز القوى”: الاتحاد الاشتراكي، وأجهزة الدولة القديمة، وبعض قادة الثورة، إضافة إلى النفوذ السوفياتي. لكن السادات فهم مبكرًا أن الدولة لا يمكن أن تُقاد بعدة عقول متصارعة، فحسم المواجهة فيما عُرف بـ“ثورة التصحيح”، وأعاد تركيز القرار داخل مؤسسة الرئاسة.
حتى Soviet Union، رغم قوتها الهائلة، عاشت إشكالية تعدد الرؤوس؛ فهناك الحزب الشيوعي، والدولة، والمؤسسة الأمنية والعسكرية، وهي مراكز قادرة على صناعة القرار أو تعطيله. صحيح أن المنظومة صمدت عقودًا، لكنها كانت تحمل داخلها تنافسًا مكتومًا بين الشرعيات، إلى أن انتهى الأمر بالتفكك عندما ضعفت القبضة المركزية.
ولهذا فإن أغلب الأنظمة السياسية، حتى الديمقراطية منها، تنتهي عمليًا إلى إعادة إنتاج “مركز الحسم”. قد تسمح المرحلة الانتقالية بازدواج النفوذ، وقد يفرض التوازن السياسي وجود شريكين، لكن المؤسسات تحتاج في النهاية إلى مرجعية واضحة وصوت حاسم يمنع الدولة من التحول إلى ساحة صراع دائم بين الإرادات المتنافسة.
غير أن التطور الحقيقي في الدولة الحديثة لم يعد قائمًا على انتصار رأس بالقوة، بل على نقل الحسم إلى الشعب نفسه. فالديمقراطية لا تلغي التنافس بين الزعامات ومراكز التأثير، لكنها تمنع تحوله إلى انقلابات أو صدامات مفتوحة، عبر الاحتكام إلى القانون والمؤسسات والانتخابات.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري في السنغال، لا كحادثة معزولة، بل كتجسيد لسؤال سياسي قديم يتكرر بأسماء مختلفة:
هل تستطيع الشراكة الثورية أن تتحول إلى شراكة حكم دائمة؟
أم أن السلطة، مهما حاولت توزيع النفوذ، تبحث دائمًا عن مركز واحد للسيادة… بينما يبقى الشعب، في النهاية، هو الرأس الأعلى الذي يمنح الشرعية وينزعها؟

سبت, 23/05/2026 - 15:09